-١-
ظهور أحمد هارون في حوار امتد لأكثر من ثلاث ساعات عبر بودكاست الإعلامي النابه ربعي سراج، يمثل سبقا صحفيا مهما، يستحق عليه ربعي الإشادة والتقدير.
ليس فقط لنجاحه في استضافة شخصية ظلت بعيدة عن الأضواء والمنابر الإعلامية، وإنما أيضا لإتاحته فرصة الاستماع إلى تجربة سياسية وإدارية مثيرة للجدل، غنية بالتفاصيل والمحطات والمواقف.
-٢-
خلال رحلتي الممتدة لأكثر من عشرين عاما في بلاط صاحبة الجلالة، التقيت بكثير من القيادات السياسية من مختلف الأطياف والاتجاهات، وتعمقت صلاتي ببعضهم، واقتربت من تجاربهم وشخصياتهم، بما أتاح لي فرصة التعرف على معادن الرجال، والتمييز بين صورهم في الإعلام وحقائقهم في الواقع.
وجدت في الأستاذ أحمد هارون، لا سيما خلال فترة عمله واليا في جنوب وشمال كردفان، رجلا شديد التواضع في تعامله مع الآخرين، عميق الفهم، واسع الاطلاع، شغوفا بالقراءة المتنوعة، فصيحا في التعبير عن أفكاره ومواقفه، شجاعا في مواجهة التحديات، لا يتهيب اقتحام المناطق الوعرة، ولا يتردد في التصدي للمهام الصعبة.
وربما يصح القول إن الإنقاذ، خلال سنوات حكمها الثلاثين، ظلمت الرجل بطريقتها الخاصة!
فكلما اشتعلت أزمة، أو استعصت مشكلة، أو احتاجت إلى من يقتحم مناطق الخطر، دفعت به إلى أكثر المواقع سخونة وتعقيدا.
وحينما تدهورت حالتها السياسية، وتراجعت شعبيتها إلى أدنى مستوياتها، وبلغت أزماتها مرحلة الاستعصاء، تذكرت الرجل واختارته لقيادة حزبها!
كأنما أرادته طبيبا في غرفة الإنعاش، بعد أن استعصى الداء، وتأخر العلاج، وأوشك المريض على مفارقة الحياة!
-٣-
وحينما اندلعت الحرب في السودان، وامتدت نيرانها إلى المدن والقرى، وتداخلت فيها الأجندات الخارجية، وغادر كثير من قادة الإسلاميين وغيرهم البلاد، اختار هارون البقاء في الداخل مع قلة من رفاقه، رغم المخاطر والظروف الأمنية البالغة التعقيد.
لم يكتف بالمواقف المعلنة والتصريحات الحماسية من وراء الحدود، بل ظل يحث شباب تياره على المشاركة في الدفاع عن البلاد، متحملا تبعات موقفه وما يترتب عليه من مخاطر.
وهو سلوك ينسجم، في تقديري، مع طبيعة الرجل التي عرفتها عن قرب، الميل إلى الفعل أكثر من القول، وإلى مواجهة التحديات بدلا من الاحتماء بمسافات الأمان.
-٤-
الدكتور منصور خالد، رحمه الله، وهو المعروف بصرامته النقدية وبعده السياسي والفكري عن الإنقاذ، أورد في مذكراته شهادة إيجابية بحق أحمد هارون، تحدث فيها عن سعة صدره في قبول الآخرين، مهما تباعدت المواقف واختلفت الرؤى.
وتكتسب مثل هذه الشهادة قيمتها من أنها لم تصدر عن حليف سياسي أو صاحب مصلحة، وإنما عن رجل عرف باستقلال رأيه وحدة نقده.
وفي سنوات تعثر المفاوضات بأديس أبابا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، كان ياسر عرمان يقول للصحفيين:
«لو جاءوا لنا بأحمد هارون لوصلنا إلى اتفاق».
وهي شهادة أخرى من خصم سياسي، تؤكد أن الرجل كان يمتلك قدرة نادرة على بناء الجسور، وفتح مسارات التفاهم، حتى مع أكثر الأطراف اختلافا معه.
-٥-
أما تجربته في الحكم الولائي، فهي جديرة بالدراسة والتقييم بعيدا عن الخصومات السياسية والانطباعات المسبقة.
فقد ترك هارون في جنوب وشمال كردفان بصمات واضحة، واستطاع أن يحول العمل التنفيذي من نشاط حكومي محدود إلى حالة تعبئة مجتمعية واسعة، يشارك فيها المواطنون بمختلف فئاتهم.
لم تكن السياسة عنده مجرد خطب تلقى، أو وعود تطلق، أو «سوفيات» تباع في قوارير الأماني!
كانت السياسة، في منهجه، أفعالا ترى، ومشروعات تنجز، ونتائج يلمسها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
عبر مشروعات النفرة في شمال كردفان، تصدى لأزمة المياه المزمنة التي ظلت تؤرق مدينة الأبيض لعقود طويلة، وعمل على زيادة الإمدادات من المصادر السطحية والجوفية، في واحدة من أبرز تجاربه التنموية.
وفي المجال الرياضي، شهدت كادوقلي والأبيض تشييد وتأهيل منشآت رياضية مميزة، وصعدت أندية المدينتين إلى الدوري الممتاز، ولم تكتف بالمشاركة الشرفية، بل أصبحت تنافس أندية القمة، وتلحق بالهلال والمريخ هزائم ثقيلة بالأربعة والخمسة!
ولم تكن تلك الإنجازات وليدة المال وحده، وإنما ثمرة أسلوب إداري يقوم على تحريك الطاقات، واستنهاض الهمم، وإشراك المجتمع في صناعة النجاح.
في عهد هارون، لم يكن العمل العام حكرا على المسؤولين وكبار الموظفين، فقد وجد صبية الورنيش وستات الشاي، وغيرهم من البسطاء، مكانهم في مشروعات النفرة وحملات التعبئة المجتمعية.
كان الجميع شركاء في العمل، ولكل فرد دور، مهما بدا صغيرا أو متواضعا.
ولعل المقارنة بين ما تحقق في تلك السنوات وما آلت إليه بعض المشروعات والمنشآت بعد مغادرته، تكشف أن المشكلة في السودان ليست دائما في ندرة الموارد، وإنما كثيرا ما تكون في غياب الإرادة، وضعف الإدارة، وانقطاع الاستمرارية.
-٦-
وحينما سقطت الإنقاذ، بعد أن استنفدت فرصها في الإصلاح والتجديد، وعجزت في سنواتها الأخيرة عن تقديم إجابات مقنعة لأسئلة الأجيال الجديدة، أو حلول عملية لأزماتها المتراكمة، وجد هارون نفسه، كغيره من قيادات النظام السابق، في مواجهة الاتهامات والتحقيقات والسجون.
ولم يثبت على الرجل، حتى من باب الكيد السياسي، فسادا ماليا أو تملكا غير مشروع.
فالإشادة بما تحقق من إنجازات لا تعني منح صك براءة سياسية شامل، كما أن الاختلاف مع تجربة الإنقاذ لا يقتضي إنكار كل ما تحقق في عهدها.
ومن المفارقات اللافتة أن هارون، حتى وهو خلف أسوار سجن كوبر، لم يتخل عن طبيعته العملية، فقاد نفرة لتعمير السجن وتجميله، شملت الزراعة وصيانة المرافق وتحسين البيئة الداخلية.
كأن الرجل لا يستطيع أن يرى مكانا يحتاج إلى إصلاح دون أن يفكر في كيفية إصلاحه!
ولا أن يجد أزمة دون أن يبحث عن مدخل لمعالجتها!
طاقته على العطاء لا تنفد، ورغبته في الإنجاز لا تذبل، سواء أكان في مكتب الوالي، أم في ساحات التفاوض، أم حتى خلف أسوار السجن.
-٧-
ليس مطلوبا من أحد أن يتفق مع أحمد هارون في مواقفه السياسية، أو أن يتبنى خياراته الفكرية، أو أن يتجاوز عن أخطاء التجربة التي كان أحد أبرز وجوهها.
لكن من الظلم أن تتحول الخصومة السياسية إلى حجاب يحجب الفضائل، أو أن يصبح الانتماء الحزبي سببا كافيا لإنكار الكفاءة والتجرد من الإنصاف.
لقد عانت السياسة السودانية طويلا من عقلية لا ترى في الخصم إلا عيوبه، ولا ترى في الحليف إلا محاسنه، حتى أصبحنا نزن الرجال بموازين الولاء والعداء، لا بمعايير الكفاءة والعطاء.
وهنا تكمن واحدة من أكبر آفات حياتنا السياسية؛ أننا لا نكتفي بالاختلاف مع الأشخاص، بل نسعى أحيانا إلى محو فضائلهم وإنكار منجزاتهم، وكأن الاعتراف بكفاءة الخصم خيانة للموقف، أو تنازل عن المبادئ!
والحقيقة أن الإنصاف لا يعني الاتفاق، كما أن الاختلاف لا يبرر الظلم.
فالأوطان التي لا تعرف كيف تستفيد من كفاءات أبنائها، مهما اختلفت انتماءاتهم، محكوم عليها أن تبدأ من الصفر مع كل تغيير سياسي، وأن تهدم بيد ما بنته بالأخرى.
وما أحوج السودان، في زمن الخراب والدمار، إلى أن نتعلم كيف نحاسب الرجال على أخطائهم، دون أن نجحد فضائلهم، وكيف نختلف معهم في السياسة، دون أن ننكر ما قدموه للوطن.
#السودان
#Sudan




