*مفتاح المدي .. (حكاوي من زمن الحرب ) ضاقت… ولما استحكمت حلقاتها، ضاقت تاني…وجات ( باللفه) بقلم : د. محمد حمد محمداحمد*

كأن البلاد تُجرَّب كل يوم شكلاً جديداً من الضيق، وكأن القرارات التي تُعلن من أعلى لا تجد طريقها إلى الأرض، فتظل معلّقة بين السماء والواقع، بين النوايا والقدرة، بين ما يُقال وما يمكن فعلاً أن يحدث.
قرار مجلس الوزراء بعودة العاملين خلال خمسةٍ وأربعين يوماً، وعودة الجامعات دون استثناء، ثم توقع الامتحانات في كل المراحل… يشبه محاولة فتح نافذة في جدارٍ لا نوافذ فيه. فالبلاد ليست في حالة تسمح بعودة شاملة، ولا الجامعات في وضع يسمح باستقبال الطلاب، ولا المدارس جاهزة لامتحانات الشهادة السودانية، ولا الموظفون قادرون على العودة في ظل مرتبات لا تكفي حتى لليوم الواحد، ولا اقتصاد يستطيع أن يحمل الناس على أكتافه دون أن ينهار.
استحكمت حلقات الضيق لأن الحكومة أعلنت القرارات دون أن تعلن كيف ستنفذها: لم تقل كيف سيعود الموظف النازح. لم تقل كيف ستُفتح الجامعات التي خرجت من الخدمة. لم تقل كيف ستُعقد الامتحانات في مدارس بلا معلمين. لم تقل كيف سيواجه الناس الغلاء والانهيار الاقتصادي وهم مطالبون بالعودة إلى أعمالهم كأن شيئاً لم يحدث.
وهكذا يصبح القرار مجرد ورقة، بينما الواقع يكتب حكايته بحبرٍ آخر… حبرٍ من التعب، والغلاء، والبحث عن لقمة، والركض خلف حياةٍ تتفلت كل يوم. وفي زمن الحرب، حين تضيق البلاد، ثم تستحكم حلقاتها، ثم تضيق مرة أخرى… تصبح القرارات مثل الحكايات التي تبدأ قوية ثم تتعب، وتترك الناس في منتصف الطريق، بين الرجاء والخيبة، بين ما يجب أن يكون وما لا يمكن أن يكون.
إنني لا أكتب برؤية موظف قد يشمله القرار، ولا كناقد يكتب من أجل النقد، ولكني أكتب برؤية ما تعلّمناه من التخطيط الاستراتيجي، وخبرنا كيف تُكتب (القرارات) لكي تُنفّذ، وكيف تُصاغ (التوجيهات) لكي تجد طريقها إلى الواقع، لا أن تبقى معلّقة في الهواء.
قالوا قديماً: إذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع. وهذه ليست حكمة عابرة، بل قاعدة في علم الإدارة، وفي فنّ القيادة، وفي هندسة السياسات العامة. فالقرار الذي لا يراعي قدرة الدولة، ولا ظروف الناس، ولا إمكانات المؤسسات، يصبح قراراً نظرياً مهما بدا قوياً على الورق.
والحكومة اليوم، وهي تعلن عودة العاملين خلال خمسةٍ وأربعين يوماً، وعودة الجامعات دون استثناء، وتوقع الامتحانات في كل المراحل… تبدو كمن يطلب ما لا يُستطاع، أو كمن يطلبه دون أن يهيّئ شروطه. فالبلاد لا تُدار بالرغبات، بل بالخطط. ولا تُنهض بالقرارات الكبيرة، بل بالخطوات الممكنة. ولا تُعاد الحياة إليها بالشعارات، بل بالعمل الذي يعرف حدوده، ويعرف إمكاناته، ويعرف أن المستطاع هو الطريق الوحيد إلى الطاعة، وإلى التنفيذ، وإلى النجاح.
اخيراً …
ان هذا التوجيه بشكله ومضمونه ماهو الا تنفيذاً للمقترح السابق والذي اثار جدلاً واسعا ًوالخاص بتقليل عدد العاملين بالدوله بس ( باللفة ).
ونواصل…

مقالات ذات صلة