ليست الأم جزءاً من الحياة؛ بل هي الحياة حين تتجسّد في هيئة امرأةٍ تعرف كيف تمنح أبناءها معنى الوجود قبل أن تمنحهم الخبز والماء. هي البداية التي لا تُنسى، والظلّ الذي لا يزول، واليد التي تسبق الفجر لتوقظ القلب قبل أن توقظ الجسد.
ما زالت الأم، مهما غابت، حاضرةً في التفاصيل الصغيرة التي نظنّ أنها عابرة، لكنها في الحقيقة أثرها الذي لا يمّحي. حاضرة في صباحاتنا حين ننهض فنفتقد يدها التي كانت توقظنا لصلاة الفجر، تلك اليد التي كانت تحمل دفئاً لا يشبه دفء الأشياء، دفئاً يشبه الطمأنينة التي لا تُشترى ولا تُستعار. وحاضرة في شاي الصباح، في رائحته، في ترتيب المائدة، في تلك اللحظة التي كان كل شيء يكتمل بها، كأن وجودها كان شرطاً لبدء اليوم.
الأم ليست ذكرى؛ بل حضور ممتدّ، يرافقنا في العمل، وفي التعب، وفي اللحظات التي نحتاج فيها إلى كتفٍ نميل عليه دون أن نشرح، ودون أن نخشى حكماً أو عتاباً. هي ذلك الصوت الداخلي الذي ينهض فينا حين نتعب، فيذكّرنا بأننا أقوى مما نظن، وأن الطريق مهما طال فإن خطواتها الأولى هي التي علمتنا كيف نمشي.
كم يشتاق الإنسان إلى حضن أمه… ذلك الحضن الذي لا يشبه أي حضنٍ آخر، لأنه لا يضمّ الجسد فقط، بل يضمّ الروح، ويعيد ترتيب الفوضى في الداخل، ويمنح القلب يقيناً بأن العالم مهما قسا، هناك مكان واحد لا يخذلنا أبداً
. وكم نشتاق إلى رائحتها، تلك الرائحة التي تبقى في الذاكرة حتى بعد رحيلها، كأنها جزء من الهواء الذي نتنفسه، أو جزء من الطفولة التي لا تغادرنا.
الأم هي مبتدأنا وخبرنا؛ هي الجملة الأولى في كتاب العمر، والمعنى الذي يكتمل به كل ما يأتي بعده. هي المدرسة الأولى، والملاذ الأخير، والسرّ الذي يجعل الإنسان قادراً على مواجهة الحياة مهما اشتدّت عليه.
وحين تغيب الأم، لا يغيب حضورها؛ بل يتحوّل إلى نورٍ خافتٍ يرافقنا في الطرقات، وإلى دعاءٍ صامتٍ ينهض في اللحظات الصعبة، وإلى يقينٍ بأن الحبّ الذي منحته لم يكن حبّاً عابراً، بل كان مشروع حياةٍ كامل.
تبقى الأم، في حضورها وغيابها، أول معنى للحياة، وأول درسٍ في الصبر، وأول سندٍ لا يسقط مهما سقطت الأشياء من حولنا.
ونواصل …



