*مطبات طريق: حين يجلس الإعلام في حضرة التاريخ ​بقلم: وداد الماحي*

​بين أروقة “قمة الإعلام العربي” في دبي، لم تكن الشاشات وحدها مصدر الضوء، بل اتجهت الأنظار نحو صفائح الورق، وتحديدًا نحو اللحظة التي يتقاطع فيها التحليل الصحفي مع صُنّاع القرار. وسط حضور غفير واهتمام فكري لافت، شهد منتدى دبي للإعلام حفل توقيع أحدث مؤلفات الكاتب والمفكر أحمد المسلماني “قريبًا من التاريخ” الصادر عن دار “دوّن”، في ندوة موسعة أدارتها باقتدار الإعلامية الأردنية دانا أبو خضر.
​وفي عصر يغلب عليه تدفق الأخبار السريعة واختزال المفاهيم عبر منصات التواصل، يأتي التوثيق الورقي المستند إلى حوارات استثنائية ليعيد للإعلام هيبته، ويؤكد أن الحقيقة والتحليل العميق هما الاستثمار الأبقى للصحافة الجادة.
​الكتاب ليس مجرد تدوين ذكريات، بل يمثل شهادة حية تعرب عن تفاصيل لقاءات جمعت المؤلف بملوك ورؤساء وحائزي جوائز نوبل وشخصيات تركت أثرًا بليغًا على المسرح الدولي، في محاولة جادة لفك شفرات الأحداث من مسافة قريبة جدًا من دوائر صنع القرار. وتزداد قيمة هذا التوثيق اليوم في ظل صراع الروايات وتضليل الفضاء الرقمي، حيث تحمي الشهادات الموثقة الذاكرة الوطنية والعربية من محاولات التزييف، وتمنح القلم العربي موقعًا فاعلًا في صياغة السرديات الكبرى بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بها.
​فالمفكر الصحفي لا يكتفي بنقل الأحداث كما جرت، بل يعيد قراءتها برؤية تُفكك تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي لتمنح القارئ قدرة على استقراء ما خلف الكواليس. والاقتراب من القمة والجلوس في حضرة صناع القرار يتطلبان ليس فقط مهارة الحوار، بل أمانة النقل وشجاعة التحليل، لتظل الصحافة الجادة حارسة للحقائق ورابطًا وثيقًا بين التاريخ والوعي العام. وما يمنح هذا العمل خصوصية إضافية هو القدرة على المزج بين الرصانة السياسية والبلاغة السردية، مما يجعل الوثيقة التاريخية مادة سلسة تُقرأ بشغف وتخاطب النخبة والقارئ العادي على حد سواء.
​وتأتي هذه المحطة الإبداعية لتُكمل معالم رحلة كتابية ومشاريع فكرية أثرت المكتبة العربية على مدار سنوات، بدءًا من “الهندسة السياسية” الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، و”أمة في خطر” الصادر عن دار الشروق، مرورًا بـ “الجهاد ضد الجهاد” في طبعته الجديدة عن دار سما، وصولًا إلى “الحداثة والسياسة” و”معالم بلا طريق”. فالمتابع لمسار المسلماني يلاحظ أن هذا الكتاب لا يقف منفصلًا، بل هو حلقة في سلسلة تسعى لمساءلة الواقع السياسي وتفكيك أزماته، مما يُبرز نموذج الصحفي المتسلح بالبحث الأكاديمي والعمل الميداني في آن واحد، ويمنح القارئ رؤية تراكمية تبدأ من فهم الهندسة السياسية وتصل إلى ملامسة حركة التاريخ.
​ومثل هذه التجارب التوثيقية تشكل جسرًا معرفيًا ملهمًا للأجيال الشابة من الصحفيين والباحثين، حيث تقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل التغطية الصحفية اليومية إلى أثر فكري مستدام يخاطب المستقبل. إن أهمية مثل هذه الإصدارات لا تكمن فقط في جمع الشهادات وتدوين المواقف، بل في توفير بوصلة تحمي الوعي الجمعي من المطبات الفكرية والسياسية التي يمر بها عالمنا العربي اليوم، فالاقتراب من التاريخ ليس رفاهية وثائقية، بل ضرورة ملحة لفهم الحاضر واستشراف المسارات القادمة.

مقالات ذات صلة