نَشَر الدكتور أمين حسن عمر اليوم تعليقاً على حديث للأستاذ محمد الفكي سليمان، شبَّهه فيه بـ ”الكلب” الذي إذا أعطيته عظماً ليأكله لن يجزي صنيعك إلا بالعواء.
ولعل المرء كان سَيمُرُّ على عبارة التشبيه أعلاه باعتبارها انفلاتاً عابراً، لولا أنها ليست الأولى من نوعها، بل تأتي هذه العبارة من جوف قاموسٍ ظل د. أمين يستخدمه، على نحو متكرر، في وصف مخالفيه في الرأي.
ومن أرشيفه، على سبيل المثال لا الحصر:
* في تعقيب على رأيٍ للدكتور النور حمد، قال إن “المومِس” هي أفصح من يتحدث عن الفضيلة.
* أسبغ على كاتب هذه السطور صفة ”العَفِن” مثل “الحنيطير”، وأطلق ذات الوصف على آخرين.
* وصف الحزب الشيوعي بأنه خارج المنظومة الوطنية، وشبَّهه بـ”البُوم” الذي لا يمكن أن يغرد ضمن سرب العصافير.
* أشار ضمناً إلى إحدى الإعلاميات، دون أن يسميها، بأنها “ممسوخة، تظن أنها ترفع اسم السودان بمقاس خصرها وصدرها”.
* وفي معرض حديثه عَمَّن أسماهم “القحاتة السيداويين”، نسبةً إلى اتفاقية سيداو، شبَّههم بـ“قحاتة زمن الخليفة عبدالله التعايشي” – يقصد الرجال الذين يأتون الرجال شهوةً – ثم أورد الحكاية الشعبية المتداولة عن رجلٍ كان اسمه عبدالله، فلما أُتي به إلى الخليفة وسأله عن اسمه، خشي أن يذكر الاسم نفسه لما ارتبط به من فعلٍ مشين، فأجاب: “الاسم سالم”، وتقول الحكاية إن الخليفة سُرَّ بتلك الإجابة.
ليست القضية هنا الاعتراض على حِدَّة النقد السياسي، ولا مطالبة أحد بأن يخوض السجال العام بلغة المجاملات. فالسياسة بطبيعتها مجال للاختلاف والصراع الفكري، ومن حق كل صاحب رأي أن يكون قاسياً في تفنيد أفكار خصومه ومواقفهم. لكن ثمة فارقاً واضحاً بين قسوة الحجة وانحطاط العبارة، وبين نقد الموقف السياسي وتحويل صاحبه إلى موضوع للإهانة الشخصية والتشبيه بالحيوان أو العفن أو الطعن في الجسد والعِرض.
إن النمط المتكرر في توجيه الشتائم والإساءات الذي يتبعه د. أمين حسن عمر يعكس نهجاً مستقراً في مخاطبة المُختلِفين معه. والمفارقة أنه سياسي تقلّد مواقع رفيعة في سلطة نظام “الإنقاذ”، وقيادي في حزبها المحلول والحركة الإسلامية، ومن المفترض أنه راكم خبرة في الخطابة والكتابة والمناظرة. ولذلك تصبح اللغة التي يختارها في سجاله مع مخالفيه أكثر دلالة، لأنها تكشف شيئاً عن الثقافة السياسية التي ينطلق منها، وعن تصوره لمعنى الخلاف في الرأي.
حين يصبح المُختلِف “كلباً”، وصاحب الرأي “مومساً”، والكاتب “عفناً”، والحزب “بوماً”، والمرأة مجرد خصر وصدر، لا نكون أمام سجال سياسي، وإنما أمام عملية لنزع الاعتبار الإنساني عن الخصم السياسي قبل مناقشة ما يقول. وبدلاً من مواجهة الفكرة، يجري تحقير حاملها؛ وبدلاً من تفنيد الحجة، يُحتقَر صاحبها.
ولعل الأكثر دلالة في هذه اللغة أنها لا تسيء إلى الخصوم بقدر ما تكشف عن صاحبها وعن التيار الذي يمثله. ذلك أن من يمتلك مشروعاً فكرياً وحجة سياسية لا يحتاج إلى الاستعانة بقاموس الشتائم لكي يهزم خصمه السياسي.
يمكن لدكتور أمين أن يختلف جذرياً مع تحالف صمود أو “القحاتة” – كما يقول – ومع الحزب الشيوعي، والمؤيدين لاتفاقية سيداو، ومحمد الفكي والنور حمد وكاتب هذه السطور وغيرهم؛ فهذا حقه الكامل. لكن الاختلاف، مهما اشتد، لا يمنح أحداً رخصة لتحويل المجال العام إلى مستودع للشتائم، ولا يعفي السياسي أو أي ناشط في العمل العام من مساءلة اللغة التي يستخدمها.
اللغة جزء من الممارسة السياسية، وليست هامشاً عليها. وحين تعجز عن مقارعة الفكرة، وتنحدر إلى الجسد والعِرض والحيوان والعفن، فإنها لا تُقدِّم وصفاً للآخر المُختلِف بقدر ما تكشف عن مأزق صاحبها؛ فكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح.




