*مفتاح المدي (حكاوي من زمن الحرب) أزاهير الرماد: هل ينهض السودان من جديد؟ بقلم د. محمد حمد محمداحمد*

حين يلقي إليك مفكرٌ بقامة البروف حامد الصاوي سؤالاً كهذا، فإنه لا يطلب إحصاءاتٍ جافة ولا نبوءاتٍ عاطفية، بل يفتح نافذةً على الروح الكلية لأمةٍ تقف الآن على الحافة الفاصلة بين العدم والوجود. يسأل والشفافية تملأ عينيه: هل سينهض السودان من جديد؟
والإجابة الشجاعة لا تبدأ من ساحات السياسة، بل من فلسفة التاريخ وعلم اجتماع الأرواح.
أولاً: تشخيص الجرح (لماذا تكسّر المرايا؟)
قبل أن نتحدث عن النهوض، علينا أن نتأمل تفاصيل السقوط بقلبٍ يملؤه الأسى، وعقلٍ يمسكه المشرط. إن النكبة الحالية ليست مجرد رصاصٍ طائش أو بنيةٍ تحتية تهاوت؛ إنها عَرَضٌ لمرضٍ أقدم.
عقودٌ طويلة عشناها في “خصامٍ ممتد” مع هويتنا وإدارة تنوعنا. تعاقبت النخب، وغاب “المشروع الوطني” الذي يستوعب الجميع تحت ظله، فاستُبدلت المؤسسية بالمحاصصة، والوطن بالقبيلة. ارتهنت الإرادة حيناً للخارج، واستسلمت أحياناً لبلادة المألوف، حتى جاءت هذه اللحظة الوجودية القاسية لتكشف عورة الرهانات الهشة، وتضعنا أمام مرآة الحقيقة العارية: لقد أثقلنا كاهل هذا الوطن بالخلافات، حتى انحنى متعباً تحت وطأة جراح أبنائه.
ثانياً: فلسفة الارتداد (لماذا سينهض حتماً؟)
لكنّ التاريخ يُعلّمنا أن الشعوب العظيمة كالينابيع، كلما اشتد الضغط عليها، تفجرت أنهاراً. السودان سينهض، ليس من باب التمني الساذج، بل بحكم “الحتمية الوجودية” وشرائع الصعود:
طاقة الوعي الجديد (صدمة القاع): إن الشعوب لا تغير مساراتها التاريخية بالخطب، بل بالصدمات الوجودية الكبرى. إن وصولنا إلى هذا “القاع الصادم” هو ذاته المختبر السري الذي يولد منه الوعي الجمعي الجديد. بعد هذا الرماد، لن يقبل العقل السوداني بالحلول الترقيعية؛ لقد تمايزت الصفوف، وتعرّت الشعارات الفضفاضة، وأدرك الجميع أن ثمن التشرذم هو الفناء بالكامل.
رأس المال الروحي والإنساني: في ذروة الظلمة، لم يسقط الإنسان السوداني. رأيناه في تكافل الجيران، في اقتسام رغيف الخبز وسط الحصار، وفي إبداع المغتربين الذين تحولوا إلى “شرايين حياة” ممتدة تغذي جسد الوطن العليل. هذا النبل القيمي والأخلاقي، وهذا الإصرار على البقاء، هو طاقة الدفع الارتدادية التي ستحول الركام إلى قواعد للبناء.
عبقرية الأرض البكر: إنها بلادٌ لم تَقُل كلمتها الأخيرة بعد. أرضها الشاسعة، نيلها الصابر، وثرواتها المدفونة، وموقعها الذي يربط القارة بقلب العالم؛ كلها عناصر تنتظر فقط “لمسة الاستقرار” لتتحول إلى معجزة اقتصادية خضراء. نحن لا ننقصنا النعم، بل كانت تنقصنا البصيرة في إدارتها.
ثالثاً: شروط الولادة (ثمن النهوض)
لكي لا يكون النهوض حبراً على ورق الأدب، فإنه يحتاج إلى روافع صلبة، وصيغ عملية شجاعة:
1. العقد الاجتماعي المقدس: نحتاج إلى الانتقال التام من عقلية “من يحكم السودان؟” إلى عقلية “كيف يُحكم السودان؟”. عقدٌ صلب يعترف بالتنوع كعنصر ثراء لا كفتيل فتن، ويجعل المواطنة والعدالة هما سقف البيت الوحيد.
2. حكومة العقول والمؤسسات: إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب “رهبنة وطنية” تقودها كفاءات تكنوقراطية مستقلة، عقول سودانية ناضجة تُعلي من شأن التخطيط العلمي، وتُبعد تفاصيل الإدارة والتعليم والصحة عن التجاذبات الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
3. مشروع مارشال بأيدٍ سودانية: إن البناء القادم يجب أن يتغذى من عقول ومدخرات أبناء السودان في المهاجر والاغتراب. هم السند وهم الرهان، بربط جهودهم برؤية استثمارية تحمي الحقوق وتفتح الآفاق.
4. تطهير الجراح بالعدالة والشفافية: لا نهوض فوق ضغائن مكبوتة. الشفافية تقتضي محاسبة المخطئين، وجبر ضرر المظلومين، لغسل القلوب وبناء سلام اجتماعي مستدام لا تهزه العواصف.
ختاماً:
نعم، عزيزي، بروف حامد الصاوي.. سينهض السودان.
ولن يكون النهوض القادم مجرد ترميمٍ لسودان ما قبل الحرب، بل سيكون ولادة قيصرية لسودانٍ جديد تماماً. سودانٌ تطهر بالدمع والنار، وعرف قيمة الأمان، وتعلّم كيف يحول أحزانه إلى طاقة بناء معجزة.
الأمم الكبيرة تمر بمرضٍ قد يبدو ميؤوساً منه، لكن الجينات الحضارية والتاريخية للسودان تؤكد أن قوى الحياة فيه أعمق وأبقى من قوى الردى والدمار. سينتصر النيل في النهاية، وتُورق من بين الرماد أزاهير الفجر الجديد.
ونواصل …..

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole