من لا يشكر الناس لا يشكر الله، والاعتراف بالفضل لأهل الفضل فضيلةٌ رسختها الأديان وقيدتها شيم النبلاء، لا سيما في زمنٍ عزّت فيه المواقف وعصفت بالناس خطوب الأيام. والدكتور الصيدلاني المصري وحيد يوسف هو أحد هؤلاء الرجال الذين يجسدون النبل في أبهى صوره؛ رجلٌ طيب القلب، صافي السريرة، ومثالٌ يُحتذى في العطاء المبرأ من الأغراض. لقد جعل من علمه وخبرته المهنية صمام أمان لتخفيف معاناة العابرين والمحتاجين من داخل صيدليته العامرة بـ “الطالبية – ميدان الساعة”، فكان يداوي بابتسامته قبل دوائه، ويُسهل الصعاب، ويقدم العون الطبي في كثير من الأحيان بغير مقابل، مبتغياً وجه الله ومستحقاً للتقدير والمحبة الجارفة من كل من عرفه أو لجأ إليه في ملمّة. جعله الله وجهاً مشرفاً لوطنه، وكثّر من أمثاله.
إن نموذج الدكتور وحيد يعيدنا إلى الجوهر الحقيقي للعلاقات الشعبية المتجذرة؛ تلك التي لا تخضع لحسابات المكسب والخسارة، أو تقاطعات الظروف الراهنة. فحين تضيق الخيارات وتعجز اليد، كانت صيدليته في الطالبية بمثابة سفارة مصغرة للإنسانية، تسجل بمداد من نور أن ألم اللجوء والنزوح يمكن أن يتلاشى أمام رحابة النبل المتأصل. ولأجل هذا العطاء الباذخ، حرصت مجموعة من أبناء الجالية السودانية القاطنين في منطقة الطالبية وما حولها، قبيل ترتيبات مغادرتهم للقاهرة، على زيارته في موقع عمله وإهدائه وشاحاً ودرعاً تذكارياً؛ وهي لفتة رمزية حملت في طياتها فيضاُ من الدموع والشكر، وعرفاناً بكل ما قدمه لهم من سند أخوي طوال فترة تواجدهم.
وإزاء هذا المشهد المضيء، فإن هذه المواقف المشرفة ليست غريبة على مصر الشقيقة، التي يكتب التاريخ المعاصر والقديم دورها كعمق استراتيجي واجتماعي أصيل للسودان، وملاذٍ يفتح أبوابه وقت الشدائد. وفي المقابل، يظل السودانيون يحملون لأرض الكنانة وشعبها وداً خالصاً، وأيادٍ بيضاء ممتدة بالخير والسلام والتكامل والتقدير لهذا الاحتضان الأخوي الصادق.
لكن، وفي طريق هذه العلاقات الراسخة، تظهر دائماً “مطبات” عابرة تصنعها أصوات ناشزة، حاولت في الآونة الأخيرة اختلاق حالة من الشحن والتحريض وتشويه الصورة الحقيقية للوجود السوداني في مصر. هذه الأصوات والأقلام المعزولة لا تعبر بأي حال من الأحوال عن وجدان مصر ولا عن أصالة شعبها، بل هي مجرد فقاعات طارئة تحاول تعكير صفو النيل الذي يربط المصيرين. وهنا نرسل رسالة طمأنينة وتثبيت لأهلنا الذين أجبرتهم الظروف على الابتعاد مؤقتاً عن ديارهم: لا تلتفتوا إلى منابر التحريض والفرقة، بل انظروا إلى القلوب النابضة بالخير من حولكم في الأحياء والشوارع، والتي يمثل الدكتور وحيد ونظراؤه جذورها الراسخة في أرض مصر.
ستمر هذه السحابات العابرة وتندثر في ذاكرة النسيان، بينما تبقى مواقف الرجال الأوفياء كالدكتور وحيد يوسف محفورة بحروف من نور في وجدان الشعب السوداني، شاهداً حياً على أن وعي الشعوب وأصالتها أقوى من كل محاولات الفتنة. هنيئاً للدكتور وحيد هذا الحب المستحق، وحفظ الله شعبي وادي النيل وسدد على طريق الخير خطاهم.



