*بين بناء الدولة وصناعة الاحتكار.. (2-3) من يقف خلف محول المعاملات المصرفية؟ قراءة في سجل الشركة المنفذة وشريكها التقني!.. وائل عبدالخالق مالك*

في المقال السابق تناولت الإطار التنظيمي لرخصة محول المعاملات المصرفية من زاوية الحوكمة والتسعير والمخاطر النظامية. لكن أي تقييم مسؤول لمشروع بحجم هذا الشريان المالي السيادي لا يمكن أن يكتمل دون طرح سؤال جوهري حول من هي الجهة التي تحمل مفاتيح هذا الشريان فعلياً؟ ومن يقف خلفها من شركاء تقنيين؟. الجهة المرخص لها هي شركة العسجد للحلول الرقمية الذكية (ASD Smart) وتديرها د. عسجد يحيى الكاظم التي توصف في التغطيات الإعلامية بالخبيرة البنكية. ويلاحظ أن ظهورها العلني في ملف التحول الرقمي بالسودان حديث نسبياً إذ شاركت في منتدى للشمول المالي ببورتسودان في يناير 2025 ثم قدمت في مارس من العام نفسه ورقة بعنوان توحيد منصة الدفع الإلكتروني خطوة نحو التحول الرقمي والشمول المالي. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الشركة تأسست في أواخر عام 2025 وبدأت نشاطها المكثف مطلع عام 2026 بالتعاون مع عدد من البنوك ووزارة التحول الرقمي. أي أن عمرها الفعلي عند حصولها على رخصة تشغيل بنية تحتية مصرفية سيادية لا يتجاوز بضعة أشهر.

وكانت مديرة الشركة قد عملت سابقاً في المجال المصرفي قبل تأسيس ASD Smart والتقدم للحصول على الترخيص. وهذا التسلسل الزمني لا يعني بالضرورة عدم أهلية الشركة لكنه يفرض قدراً أكبر من الشفافية حول معايير الاختيار وأسباب منح أول رخصة من هذا النوع لكيان حديث النشأة مقارنة بغيره من الشركات العاملة في القطاع. أما الجانب الأكثر أهمية فهو الشريك التقني الأجنبي. ففي فبراير 2026 أعلنت شركة Banknbox المتخصصة في الحلول المصرفية الرقمية توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة العسجد لتطوير وتشغيل منظومة التحويلات اللحظية وربط المصارف السودانية عبر محول معاملات مركزي مرخص من بنك السودان المركزي. وتقدم Banknbox نفسها كمزود لخدمات البنية التحتية المصرفية الرقمية (BaaS) ولها مشاريع في مصر والهند والعراق ولبنان والبحرين والمالديف ومولدوفا وتعتمد على منصة موحدة تعرف باسم CoreLINK. كما أعلنت تحقيق نمو كبير في أعمالها خلال عام 2025.

وهذا يعني أن الشريان المالي السيادي السوداني لا يبنى بالكامل بخبرة وطني وإنما يعتمد على شريك إقليمي يمتلك خبرة تشغيلية واسعة. وهذا في حد ذاته ليس أمراً سلبياً بل قد يكون الخيار العملي لدولة تخرج من الحرب وأصبحت بحاجة إلى حلول مجربة بدلاً من بناء منظومة جديدة من الصفر وهو ما تلجأ إليه كثير من الدول النامية لتقليل زمن التنفيذ والمخاطر التقنية. المخاطرة الحقيقية ليست في وجود شريك أجنبي وإنما في غياب الإفصاح الكامل عن طبيعة العلاقة التعاقدية معه. فمن يملك البيانات المصرفية للمواطن السوداني فعلياً؟ وأين ستخزن؟ وهل ستتم معالجتها بالكامل داخل السودان أم أن جزءاً من البنية التقنية سيعمل من خارج البلاد؟ وماذا سيحدث إذا انتهت العلاقة التعاقدية مستقبلاً أو أعاد الشريك التقني ترتيب أولوياته في ظل توسعه الإقليمي؟.

وثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية وهي سيادة البيانات. فشركة العسجد تمتلك حضوراً معلناً خارج السودان بما في ذلك فرع في دولة الإمارات كما تشير موادها التعريفية إلى نشاطها في مجالات الهوية الرقمية والخدمات السحابية. وهذا لا يعني أن بيانات السودانيين ستدار خارج البلاد لكنه يجعل من الضروري أن يوضح بنك السودان المركزي بصورة رسمية مكان استضافة البيانات ومواقع مراكز البيانات الأساسية والاحتياطية وما إذا كانت أي خدمات سحابية أو مكونات تشغيلية ستدار خارج السودان وما هي الضمانات القانونية والتقنية التي تكفل بقاء بيانات المواطنين تحت السيادة السودانية الكاملة. فهذه ليست تفاصيل فنية وإنما جزء من الأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية للدولة.

كما أن من متطلبات الحوكمة الرشيدة في مثل هذه المشروعات نشر الحد الأدنى من المعلومات المتعلقة بالعلاقة التعاقدية مع الشريك التقني. وحتى الآن لم يعلن للرأي العام ما إذا كانت الاتفاقية تتضمن نقل الكود المصدري تدريجياً أو خطة خروج تضمن استمرار تشغيل المحول حال انتهاء الشراكة بين الشركة المنفذة وشريكها التقني أو برنامجاً زمنياً واضحاً لنقل المعرفة وتأهيل كوادر سودانية لإدارة المنظومة بصورة مستقلة. وهذه ليست مطالب استثنائية بل أصبحت من المعايير الدولية في مشروعات البنية التحتية الرقمية السيادية. لقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن الاعتماد على مزود خارجي دون وجود خطة انتقال واضحة قد يؤدي إلى تبعية تقنية يصعب تجاوزها لاحقاً وهو ما يجعل هذه الضمانات ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار إداري.

وتتمثل أبرز المخاطر التي تستحق المعالجة في:
– غياب الشفافية بشأن ملكية الكود المصدري واستضافة البيانات.
– احتمال نشوء تبعية تقنية طويلة الأمد للشريك الخارجي.
– هشاشة استمرارية الخدمة إذا انتهت العلاقة التعاقدية أو تعثرت.
– عدم الإعلان عن برنامج واضح لتوطين المعرفة وتأهيل الكوادر السودانية.

ولمعالجة هذه المخاطر ينبغي أن يتضمن الإطار التعاقدي والتنظيمي عدة ضمانات أهمها:
– النص على نقل الكود المصدري أو إتاحته تدريجياً للدولة السودانية.
– إلزام استضافة بيانات المعاملات داخل السودان أو تحت السيطرة المباشرة لبنك السودان المركزي.
– اعتماد خطة خروج واضحة تضمن استمرار تشغيل المحول دون انقطاع حال انتهاء الشراكة.
– تنفيذ برنامج ملزم لنقل المعرفة وتدريب الكوادر السودانية بمؤشرات أداء قابلة للقياس.
– نشر ملخص عام لطبيعة العلاقة التعاقدية بين الجهة المرخص لها والشريك التقني، بما يحقق حق الجمهور في المعرفة دون الإضرار بالجوانب الأمنية.

وفي النهاية ينبغي أن يبقى النقاش بعيداً عن الأشخاص والنوايا وأن يركز على المؤسسات والعقود والضمانات. فسجل د. عسجد الكاظم في العمل المصرفي قد يمنح المشروع قدراً قليلاً من المصداقية كما أن سجل Banknbox في عدد من الأسواق يمنحه مصداقية تقنية لكن المصداقية الفنية وحدها لا تكفي فالمشروعات السيادية تبنى على الحوكمة والشفافية والعقود المحكمة أكثر مما تبنى على الثقة في الأفراد. والسودان لا يحتاج فقط إلى شريك كفء بل إلى عقد واضح يضمن أن يبقى هذا الشريان المالي السيادي سودانياً في بياناته وإدارته وقراره لا مجرد واجهة محلية لبنية تحتية تدار من الخارج. فالرهان الحقيقي ليس على اسم الشركة أو هوية الشريك وإنما على قدرة الدولة على حماية سيادتها الرقمية وضمان استقلال بنيتها المالية لعقود قادمة.

نواصل

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole