*مصطفى عبد العزيز البطل يكتب: الدولة تحت سطوة النفوذ الشخصي*

في غياب نظام دستوري سليم وحكومة واضحة السلطات والصلاحيات تستند إلى دستور وقانون يخضع لهما الجميع، تسود داخل مؤسسات الدولة ممارسات غريبة وشاذة، أهدرت هيبتها وأضعفت قدرتها على الاضطلاع باختصاصاتها ومهامها السياسية والتنفيذية على النحو المنشود وفق ما تقتضيه مسؤولياتها.

قبل فترة من الزمان وفي إحدى الوزارات أبلغ الوزير أحد كبار موظفيه، وكان يشغل منصب وكيل الوزارة بالإنابة، أنه قرر تكليف شخص آخر بمهام الوكيل، وشكره على قيامه بأعباء المنصب خلال الفترة السابقة، وطلب منه العودة إلى موقعه القيادي السابق مديراً عاماً لادارة حيوية في الوزارة.

وبعد أيام، ذهب الشخص المكلَّف بتولي منصب الوكيل إلى مكتبه، فإذا به يفاجأ بأن الوكيل السابق لا يزال يشغل المكتب ويمارس عمله فيه. استدعى الوزير الوكيل المكلَّف وسأله عن سبب عدم إخلائه المكتب للوكيل الجديد. فأجابه الرجل بكل ثقة: «أنا ذهبت إلى فلان فقال لي: خليك قاعد في مكتبك واستمر في موقعك»! أما فلان هذا فهو أحد أعضاء مجلس السيادة الموقر!

وحتى لا نُثقل على الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، الذي تكاثرت عليه الابتلاءات وتزاحم حوله المتناولون لشأنه بين منصف ومجحف، نسارع إلى التنويه الى أن الواقعة حدثت قبل توليه منصبه!

ويحدث أن وزارةً عُرفت منذ الاستقلال بتقاليدها المهنية الراسخة كوزارة الخارجية لم تسلم هي الأخرى من هذا الوباء الغريب، فمن المفارقات اللافتة في زماننا هذا أن السفير فيها إذا بلغ سن التقاعد، وكانت له صلة وثيقة بأحد أعضاء مجلس السيادة، فإن قانون الخدمة العامة الذي يحدد سن المعاش بخمسة وستين عاماً، لا يكاد يسري عليه، فمنهم من بلغ السبعين وربما تجاوزها، ومع ذلك لا يتزحزح عن سفارته، ما دام له بين أصحاب السيادة سندٌ وعضد!
وهكذا غدت القوانين والقواعد المستقرة التي يفترض أن تسري على الجميع قابلة للتعطيل، متى وجد صاحبُ الشأن من بين أصحاب المعالي من يفتح له باب الاستثناء، ويحميه من تبعاته، ويُبقيه بمنأى عن المساءلة!

ليس الخطر في هذه الوقائع، على غرابتها، في أن شخصاً بقي في مكتب ومنصب لم يعد من حقه شغله، أو أن سفيراً تجاوز سن التقاعد ظل في موقعه بفضل صلة هنا أو نفوذ هناك، فهذه ليست سوى أعراض لمرض أعمق وأخطر وهو تآكل مفهوم الدولة ومؤسساتها، حين يصبح النفوذ الشخصي أقوى من القانون وأرجح من القرار المؤسسي!

الدولة تستقيم حين تكون مؤسساتها أكبر من شاغليها، وقوانينها أعلى من أصحاب المناصب، وقراراتها صادرة عن الجهات التي يحدد الدستور اختصاصاتها وصلاحياتها.

ولكن، هل قلتُ الدستور؟ أيُّ دستور؟! ونحن، في حقيقة الأمر، لا نملك حتى يوم الناس هذا دستوراً قائماً يُحتكم إليه أصلاً!

مقالات ذات صلة