فشلت مرتين: مرة أمام صفوة إسلامية ومرة أمام أخرى حداثوية في كسب أدني درجة من التعاطف مع فكرتي عن “رجعية” معهد بخت الرضا (1934) حتى كتعليم استعماري. فقد قلت إنها كانت ردة عن مقاصد التعليم والسياسة للحكم المباشر الذي وضع الإنجليز أسسه أول قدومهم في 1898. فأستاء الإنجليز وهم يرون غرس سياسة الحكم المباشر ، خريجي غردون، يقلبون لهم ظهر المجن بثورة 1924 ثم بإضراب كلية غردون في 1931 .و
كان مقصد الحكم المباشر أن يطبق الإنجليز “مهمة الرجل الأبيض” ،وهي تمدين السودان، بواسطة صفوة يتعدونها بالسقيا وتأتي في صورتهم ليستبدلوا بها قيادات العشائر والفكيا التقليدية التي كانوا يتهمونها بالبدائية والضلوع في الرق واضطهاد النساء مما يخالف مقتضى الحضارة. ولكن حين شبت صفوة غردون عن الطوق بسرعة بالثورة وانقلب السحر على الساحر قرر الإنجليز أن يستغنوا عنهم وأن يبحثوا عن قادة للبلاد من تلك القيادات التقليدية التي استرذلوها لأكثر من عقدين من الزمان. وهذه الردة الاستعمارية هي ما اسماه محمود محمداني، مؤلف الكتاب المشهور عن دارفور، ب”استسلام الاستعمار” ويعني بها أنهم قنعوا ظاهراً وباطناً في المهمة التمدينية وغلب عندهم عامل الاستقرار والأمن على عامل التحضر.
تجلت هذه الردة الاستعمارية، التي ولد بخت الرضا في سياقها، في اندفاع الإنجليز برغم تحذيرات العقلاء منهم في إعادة صياغة الإدارات “القبلية” كمخلب إداري . وهي السياسة المعروفة ب”الإدارة الأهلية” أو الحكم غير المباشر. ويظنها الكثيرون إرثاً سودانياً وهي غير ذلك. أما وجه الردة الذي يهمنا هنا فهو انقلاب الإنجليز على تعليم الحكم المباشر الباكر. فهو في رأيهم تعليم بندر يخرج “عاقين” للإنجليز ولشعبهم الذي أغلبه في الريف. وصمموا بخت الرضا لتؤسس لتعليم البررة بالريف. وتمثل ذلك في خطة بدأت بعد فشل ثورة 1924 في تقليص التعليم الغردوني وما شاكله. وقد جاء الدكتور حسن عابدين بصفحتين في كتابه “فجر الحركة الوطنية” لخص إجراءات الإنجليز في تحجيم ذلك التعليم وللمزيد أنظر كتاب محمد عمر بشير عن تاريخ التعليم.
أما المظهر الثاني لضيق الإنجليز بكلية غردون فكانت سياسة “الأدبة” التي أخضعوا لها طلاب غردون. فمنعوهم إرتداء الزي الأفرنجي والجذاء الأوربي تشبهاً وألزموهم بارتداء الجلابية والمركوب. وقد صور ما ناله طلاب غردون جراء وقاحتهم على الإنجليز محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد، ممن دخلوا الكلية في 1925، في كتابهم “موت دنيا”. فكتبا: بعد أن فرغنا من عملنا في السنة الأولى، وكان زمناً بغيضاً، فإننا نذكر كيف وجدنا شقاء وتعساً في تلك السنة ، وكيف أن القائمين بأمر الدراسة في الكلية انتهجوا نهجاً بعد حوادث سنة 1924، فكنا نكنس حجرات الدراسة وعنابر النوم، ونقضي ساعة أو بعض ساعة في الهجير اللافح ننقل كثبان الرمل من جهة إلى جهة، ونصلح ذلك الشارع ونهدم ذلك البناء، وهذا ما كانوا يسمونه “الطُلبة” لا لذنب جنيناه، ولكن لأن الفكرة السائدة أن الكتل البشرية التي تهيئها كلية غردون قد خيبت الآمال فيها . . . وانتحت منحى غريباً يباعد الشقة بين المتعلمين والقائمين بالأمر فينا، ويقربها بينهم وبين رجال العشائر ورؤساء القبائل ، وكيف أن هذا العهد خيم على البلاد زمناً ليس بالقصير. انتهى.
لا أدري كيف سننجح في تشخيص أي مسألة لو كانت مقدماتها وسياقاتها وحيثياتها نفسها غير ذات موضوع في اعتبار أهل الرأي؟
*منقول من صفحة د. عبدالله علي ابراهيم في الفيسبوك




