من أكثر صور التدليس الفكري والسياسي التي تتكرر في الخطاب العام السوداني الادعاء بأن العلمانية شرط لازم للديمقراطية، وأنه لا سبيل لبناء دولة ديمقراطية إلا عبر إقامة دولة علمانية،وقد جرى تسويق هذه الفكرة لعقود حتى أصبحت عند بعض النخب وكأنها حقيقة علمية أو قانوناً سياسيا ًلا يقبل الجدل، بينما هي في حقيقتها رؤية فكرية وسياسية لها مؤيدوها ومعارضوها، وليست محل إجماع في الفكر الدستوري أو في التجارب الديمقراطية المقارنة.
ويتمثل التدليس في الانتقال من الدفاع عن العلمانية باعتبارها خياراً سياسيا ًمشروعاً إلى تقديمها باعتبارها المدخل الحصري للديمقراطية، ثم تصوير كل من يخالف هذا التصور وكأنه يقف ضد الديمقراطية نفسها،وهذا خلط بين مفهومين مختلفين: الديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم يقوم على سيادة القانون، والانتخابات الحرة، والفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات، وبين العلمانية بوصفها أحد النماذج المقترحة لتنظيم العلاقة بين الدولة والدين.
ومن حق أي تيار سياسي أو فكري أن يدافع عن العلمانية، كما من حق غيره أن يدافع عن أي نموذج دستوري آخر، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الديمقراطية أو أن يجعلها حكراً على رؤية أيديولوجية بعينها،فالديمقراطية ليست مرادفًا للعلمانية، كما أن العلمانية ليست تعريفاً للديمقراطية.
هذا الجدل ليس جديداً في السودان، فقد نوقش منذ سنوات طويلة، وحسم سياسياً في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو 1995، عندما توصلت القوى السياسية على اختلاف اتجاهاتها الإسلامية والوسطية والقومية واليسارية، إلى صيغة توافقية لإدارة العلاقة بين الدين والدولة، بما يراعي خصوصية السودان وتعدده الديني والثقافي،وكان المقصود تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي والتركيز على بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
لكن، وعلى الرغم من ذلك، ظل هذا الملف يُبعث من جديد كلما دخل السودان مرحلة تفاوض أو إعادة تشكيل للتحالفات السياسية، حتى أصبح أقرب إلى ورقة تكتيكية منه إلى قضية دستورية،فكلما احتاجت بعض القوى إلى إعادة ترتيب تحالفاتها أو تقديم نفسها سياسياً، عاد الجدل حول العلمانية بوصفها شرطاً للديمقراطية، رغم أن هذا الربط ليس محل إجماع، ولا تؤيده كل التجارب المقارنة.
وكان آخر مظاهر هذا التوظيف السياسي ما جاء في إعلان المبادئ الذي وقعته مجموعة من القوى السياسية في نيروبي، والذي أعاد طرح العلمانية باعتبارها المدخل إلى الدولة الديمقراطية الحديثة، وكأن حل الأزمة السودانية يبدأ من تبني هذا الخيار الدستوري،كما يتكرر هذا الطرح في كتابات عدد من المثقفين السودانيين، التي ترى أن الدولة الديمقراطية الحديثة لا يمكن أن تكون إلا دولة علمانية، وأن العلمانية هي الضامن للمساواة بين المواطنين ولحياد الدولة تجاه الأديان.
غير أن هذا الرأي، مهما بلغت وجاهته عند أصحابه، يبقى رايا فكريا وسياسيًا، وليس حقيقة علمية أو شرطًا أثبتته التجربة الإنسانية.
فإذا رجعنا إلى مؤشر الديمقراطية الصادر عن مجلة The Economist لعام 2022، نجد أن الدول الثلاث الأولى عالمياً في الالتزام بالمعايير الديمقراطية هي النرويج وآيسلندا والسويد. والمفارقة أن هذه الدول ليست دولًا بلا دين رسمي، بل تمنح دساتيرها الكنيسة الإنجيلية اللوثرية مكانة دستورية أو تاريخية خاصة، كما تنص بعض أحكامها على أن يكون الملك منتميًا إلى الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، ومع ذلك تتصدر هذه الدول العالم في مؤشرات الديمقراطية، ولم يكن وجود هذا الوضع الدستوري عائقا أمام بناء أنظمة ديمقراطية راسخة.
وفي المقابل، وفي المؤشر نفسه لعام 2022، جاءت دول في ذيل الترتيب من حيث الأداء الديمقراطي، رغم إن دساتيرها تنص على العلمانية مثل تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، كوريا الشمالية التي تعد من أكثر الأنظمة انغلاقًا واستبدادًا في العالم،وتشير هذه الأمثلة إلى أن مجرد النص في الدستور على علمانية الدولة، أو تبنيها كشعار سياسي، لا يؤدي تلقائيًا إلى قيام نظام ديمقراطي أو إلى ضمان الحقوق والحريات،ولو كانت العلمانية وحدها شرطًا كافيًا للديمقراطية، لما وجدت دول تتبناها دستوريًا أو سياسيًا ثم تتذيل مؤشرات الديمقراطية العالمية. وفي المقابل، تتصدر دول تمنح دينًا أو كنيسة مكانة دستورية مؤشرات الديمقراطية،وهذا يؤكد أن معيار الديمقراطية الحقيقي لا يتمثل في النص على العلمانية أو على دين رسمي، وإنما في سيادة القانون، واستقلال القضاء، ونزاهة الانتخابات، وحماية الحقوق والحريات، والتداول السلمي للسلطة، وخضوع الحكام للمساءلة.
إن الديمقراطية لا تُقاس بالنصوص الدستورية المجردة، وإنما بالممارسة السياسية وبناء المؤسسات،فهي منظومة متكاملة أساسها احترام إرادة الشعب، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وصيانة الحقوق والحريات، وحرية التنظيم والتعبير، والتداول السلمي للسلطة، والمساءلة والشفافية.
ولهذا فإن تحويل العلمانية إلى شرطٍ لازم للديمقراطية، أو تصويرها على أنها الطريق الوحيد لبناء الدولة الحديثة، يمثل تبسيطًا مخلًا لواقع أكثر تعقيداً ، بل ويُستخدم احياناً وسيلة للاستقطاب السياسي وإقصاء المخالفين، عبر الإيحاء بأن كل من يعارض هذا الطرح إنما يعارض الديمقراطية نفسها.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج معارك أيديولوجية أثبتت التجربة أنها لم تُنتج استقراراً، وإنما يحتاج إلى توافق وطني على المبادئ الدستورية التي تكفل الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، مع ترك القضايا الفكرية محل النقاش العام والحوار الديمقراطي. فالديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، ولا تُختزل في نموذج فكري واحد، وإنما تُبنى بالمؤسسات الرشيدة، والدستور العادل، واحترام إرادة المواطنين، أياً كانت المرجعية الدستورية التي يتوافقون عليها.




