قد تجبرك مبادئ وقيم أناسٍ على عدم نسيانهم، وعلى الاستمرار في احترامهم والوفاء لهم، وضرب المثل بشخصياتهم الطيبة النبيلة أينما ذُكر النبل والأثر الطيب.
وها هو اللواء شرطة (م) الدكتور عمر محمد عثمان إدريس—المعروف بـ “عمر أبودقن”—يقف في مقدمة هؤلاء الرجال الذين يتركون في النفس أثراً حياً لا يمحوه الزمن.
وحين ترتبط الرتبة العسكرية أحياناً بالصرامة الرسمية، يجيء “عمر أبودقن” ليقدم نموذجاً استثنائياً للقيادي الذي يجمع بين هيبة الموقع وندى الإنسانية في قلبه. عرفه الشارع السوداني في مواقع المسؤولية بوزارة الداخلية وشرطة المرور، فلم يكن مجرد مسؤول ينفذ اللوائح والتعليمات، بل كان يرى في القوانين أداة سامية لحماية الأرواح، وتيسير حركة الناس، وإشاعة الطمأنينة في الطرقات.
ولم يقف عطاؤه عند حدود العمل الإداري والميداني، بل امتد ليكون علامة فارقة في مضمار الإعلام الأمني والتوعية المجتمعية؛ فقد استطاع عبر كتاباته وإسهاماته الإعلامية أن يجسد الشراكة الراقية بين المواطن والأجهزة الشرطية، محولاً المفاهيم الأمنية إلى رسائل توعوية تحمل الكثير من التقدير لعقل القارئ والمستمع، وترسخ الثقافة المرورية والأخلاقية بأسلوب حضاري.
وتتجلى حكمة المنظومة الإدارية حين تستثمر بوعي في خبرات كبار الضباط والخبراء التقاعدية؛ فهذه القامات الوطنية—وفي صدارتها الدكتور عمر أبودقن—تمثل زاداً معرفياً وزخماً استراتيجياً يستوجب الاستفادة منه في مجالات الاستشارات والتخطيط ونقل الخبرات للأجيال الصاعدة، مما يثري العمل التنفيذي برؤى ناضجة تجمع بين حكمة التجربة وحرص المواطنة.
ولا أنسى موقفا شخصياً يجسد جوهر هذا الرجل؛ حين التقيت به قبل أكثر من ستة عشر عاماً وأنا أسعى لإكمال إجراءات ترخيص سيارة من طراز (هايس) لتكون سنداً ومصدر دخل لأسرتي. يومها لم أجد منه مجرد مسؤول يؤدي واجبه، بل وجدت إنساناً يفيض بالاحترام والتقدير، يشجع السعي الشريف ويُجلّ الكسب الحلال. ورغم مرور تلك السنوات الطويلة، إلا أن انطباع تلك اللحظة ظل حياً في الذاكرة، مؤكداً أنه القائد المناسب لكل موقع شرفه بوجوده.
وما يمنح تجربة الدكتور “أبودقن” فرادتها هو ذلك التناغم بين مواهبه؛ فالرجل الذي أمضى عقوداً في أروقة التخطيط والأمن، يحمل في أضلعه قلب شاعر مرهف وقلم كاتب مطبوع. وكأن الانضباط في حياته الشرطية كان يجد إيقاعه المتزن في أوزان قصائده ومقالاته التي لامست هموم المجتمع واستقرت في وجدانه، حيث يقول في إحدى نصوصه الشفيفة:
”تتوه بين عينيك أشرعتي
ويرحل في مداك قلبي..
فما أشرقت شمسٌ في أفقي
إلا وكنتِ أنتِ الضياء والسكنى”
تتخلل غالب نصوصه فلسفة قيمية عميقة تسعى لتعزيز التماسك الاجتماعي وإشاعة الجمال، مؤكدة أن الجمع بين دقة الحس الأمني وشفافية الحس الشاعري يثمر عطاءً إنسانياً متكاملاً؛ فالشاعر فيه يستشعر تطلعات الناس، والمسؤول فيه يسعى لخدمتهم وترجمة هذا الشعور إلى واقع ملموس.
فالتحية والإجلال لكل من تقلد المناصب وكان نموذجاً يُحتذى به في التجرد والإخلاص، والتحية لكل قيادي جعل من المسؤولية نافذة لإشاعة الخير وترك الأثر الطيب؛ فقد قدم الدكتور عمر محمد عثمان أبودقن عبر مسيرته الحافلة درساً بليغاً في أن قيمة العطاء تبقى خالدة في ذاكرة المجتمع، تتوجها الكلمة الصادقة والمواقف التي تنحاز للإنسان وقيمه النبيلة.
ونحن إذ نكتب، نأمل بأن يُستفاد من تلك الخبرات القيمة والتراكم المعرفي الأصيل في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد؛ فمهما كثرت في دروبنا “مطبات الطريق”، تظل الحياة صالحة للعبور بوجود قامات إنسانية تُسهم في تجاوز العثرات، وتؤكد لنا دوماً أن النبل والإنسانية هما الترخيص الحقيقي والوحيد لكل قيمة سامية.



