( على المرء ان يصنع من كل شيء ربيعاً)
هذا ما قاله قديماً الفيلسوف الصيني تشوانغستي وهو يخاطب النخبة الروحية الصينية، وعلينا ان نصنع خريفاً سودانياً من كل شيء في توجه وسلطة مضادة لقوى الحرب، ان الجماهير والناس رغم ضعفهم هم الاقوياء، بلادنا تسير حافية إلا من ايمان الناس وبسالتهم في غابة من الالغام والمسيرات ونهب الموارد والفوضى، والحرب يزداد أوارها في مثلث الموت الأبيض- كادقلي-الدلنج وتطل برأسها عند مدينة الجنينة والضحايا مجرد ارقام، ودمار الريف والمدن العظيمة لا يحصد سوى بيانات وإدانات وجلسات استماع في جنيف ونيويورك لا اكثر.
بالصبر والعزيمة نحتاج لمقاربة متكاملة لوقف وانهاء الحرب تخاطب جذورها ولا يجب ان نرضى بالحلول السريعة والهشة، فقط لانها هي المتاحة والممكنة مع أخذ الصور التذكارية، علينا ان نرفض ذلك بعد كل ذلك الدمار الذي لحق بشعبنا والتضحيات العظيمة التي قدمها، واظهار النوايا الحسنة غير كافي لانها يمكن ان تقودنا إلى جهنم ، وطريق جهنم مفروش ايضاً بالنوايا الحسنة.
تقوم الخماسية بالتحضير هذه الايام لعقد اجتماع اديس ابابا الثاني المزمع في ٢٧-٢٩ يوليو الجاري، وهو في جوهره لا يختلف كثيراً عن الاول مع زيادة في الحضور والمسهلين من اجانب وسودانيين ومحاولة انجاز ما فشلت فيه اديس الأولى بالاتفاق على لجنة تحضيرية بنكهة الفلول وفي غياب تام لأي التزام مشترك من الجيش والدعم السريع وحلفائهم بوقف الحرب، وهو الهدف الأساسي الذي يمكن ان يغير واقع المدنيين وقد حددته بدقة الجبهة المناهضة للحرب منذ بواكير نشأتها. ان هذا الطريق يُمكن قوى الحرب من حصد الجوائز والأكل في (قدحين)، قدح الحرب وقدح العملية السياسية وادعاء التفوق الأخلاقي من وكلاء قوى الحرب بدلاً من التعامل مباشرة مع القائمين بأمر الحرب وإلزامهم بوقفها.
ان المقاربة الحالية للعملية السياسية تجعل من العملية السياسية نفسها غطاء لاستمرار الحرب وتكوين انطباع زائف وخاطئ باننا نقترب من وقف الحرب، اننا نحتاج لحوار عميق مع الخماسية والرباعية لاعادة تصميم العملية السياسية وربطها مباشرة بوقف الحرب ومخاطبة الكارثة الانسانية.
المقاربة الحالية للخماسية سوف تكافئ الفلول والإسلاميين في نهاية الأمر وتقود الى سلام هش وتبعدنا عن السلام المستدام وتعطي مزيد من الوقت للحرب كما حدث في اليمن وليبيا دون تركيز الضغوط على وقف الحرب كهدف رئيسي، تحدث بعض اطراف الخماسية عن وقف الهجوم على المناطق الحيوية بينما اكبر هدف حيوي هو المدنيين، وحمايتهم تتطلب الوقف الفوري للحرب، كما ان بعض اطراف الوساطة انفسهم منخرطين في الحرب!
علينا مراجعة العمليات السياسية التي استمرّت نحو اكثر من عقد من الزمان وبعضها اكثر من ذلك بكثير كما في الصومال واليمن وسوريا وليبيا، وإلى اين انتهت وبعضها حظي برعاية دولية كبيرة، والدرس الرئيسي ان العملية السياسية يجب ان لا تساهم في استمرار الحرب، وان المدخل الرئيسي للعملية السياسية ليس حوار النخب بل وقف الحرب وحماية المدنيين عبر هدنة انسانية، فحق الحياة أولاً والإغاثة قبل السياسة.
وقف الحرب وحماية وإغاثة المدنيين هو رأس العملية السياسية وفي حزمة ومقاربة متكاملة معها تنتهي بمخاطبة جذور الأزمة وتحقق سلاماً مستداماً لا يكافئ الاسلاميين وينهي اختطاف الدولة، ان مقاربة الخماسية ذات ارتباطات غير مرئية بمكافئة الاسلاميين واستمرار اختطاف الدولة.
ان تكوين اللجنة التحضيرية سيغرق العملية السياسية في تجارب اليمن وليبيا السابقة ويباعد بينها وبين وقف الحرب. العمليات السياسية في عالم اليوم تتجه على نحو متزايد نحو معالجة قضايا الجغرافيا السياسية والموارد والاستقرار وتبتعد عن مطالب الشعوب في برامج النهضة والبناء الوطني والديمقراطية والعدالة والمحاسبة. يجب علينا ان نقترب من معاناة شعبنا ومطالبه في السلام المستدام عند التعامل مع المقاربات الحالية المطروحة للعملية السياسية، ونتذكر ان هذه الحرب قد قامت لانهاء حلم السودانيات والسودانيين في انتقال مدني ديمقراطي طرحته قوى الثورة.
٣ يوليو ٢٠٢٦




