تتوقف الكلمات أحيانًا، ويعجز القلم عن أداء رسالته، ليس لأنه فقد اللغة، وإنما لأن الراحل أكبر من أن تحيط به العبارات، وأعمق أثرًا من أن تختصره السطور.
اليوم لا أنعى صحفيًا فحسب، ولا زميلًا في مهنة المتاعب، وإنما أنعى معلمًا، ومرشدًا، وأخًا كبيرًا، وصديقًا وفيًا، ظل حضوره في حياتنا قيمةً لا تغيب، وعطاءً لا ينضب، وموقفًا لا يتبدل.
كان الأستاذ الفاتح المرضي مدرسةً كاملة في المهنية، وفي الإنسانية، وفي الانحياز للحق. لم يكن يبخل علينا بمشورة، ولم يضق يومًا بتكرار أخطائنا، بل كان يحتضننا بصبر المعلمين، ويقودنا بحكمة المجربين، مؤمنًا بأن صناعة الصحفي الحقيقي تبدأ بالتوجيه، وتكتمل
بالقدوة.
وفي أشد سنوات القهر، حين كنا نواجه الاعتقال والملاحقة، كان الفاتح حاضرًا. أتذكره جيدًا في سجن أم درمان عام 1992، وقد كان هو نفسه يقضي عقوبة السجن بعد أن خُفف حكم الإعدام الصادر بحقه. ومع ذلك، لم ينشغل بأوجاعه عن أوجاع الآخرين، بل كان يأتي إلينا باستمرار ليطمئن علينا، يزرع في النفوس الأمل، ويمنحنا من صلابته ما يعيننا على احتمال المحنة.
كان يرتدي زي السجن، لكنه كان يبدو أكبر من السجن نفسه. كانت هيبته وأناقته تعكسان روحًا عصية على الانكسار، وعلمت فيما بعد أن رفيقة عمره، الدكتورة فايزة النور، هي من صممت له تلك البدلة، في مشهد يلخص حكاية حب ووفاء نادرين، جمعا بين قلبين تقاسما النضال كما تقاسما الحياة.
كان الفاتح المرضي
نافذتنا إلى العالم الخارجي، وصوتنا الذي لا يخفت، ورسولنا إلى المجتمع، وحارسًا أمينًا لكرامة زملائه. كلما اشتدت المحن، كان أول الواصلين، لا يحمل إلا قلبًا كبيرًا، وإيمانًا لا يتزعزع بأن الوقوف إلى جانب الناس واجب لا يُؤجل.
لقد عرفناه أمينًا، وفيًا، شجاعًا، لا يخشى في الحق لومة لائم، وبقي اسمه مرتبطًا بكل موقف مشرّف في تاريخ الصحافة السودانية. وكان من الذين عبدوا الطريق لقيام نقابة الصحفيين عقب انتفاضة أبريل 1985، مقدمًا وقته وجهده وتضحياته، لا ابتغاء مجد شخصي، وإنما وفاءً للمهنة وللوطن.
رحل الفاتح، لكن المواقف لا تموت، والرجال الذين يزرعون الخير في الناس لا يغيبون، وإنما يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى ضمير حي يسكن قلوب من عرفوهم.
أتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى رفاقه وزملائه وتلاميذه ومحبيه، وأخص بالعزاء أختي العزيزة، وصديقتي الغالية، ورفيقة دربه وشريكة نضاله، الدكتورة فايزة النور، التي لم تكن زوجته فحسب، بل كانت سندًا له في رحلة العمر، وشريكةً في الصبر والعطاء والكفاح. أعلم أن الفقد عليها عظيم، ولكن عزاءنا أن من عاش حياته بهذا النبل لا يغيب، بل يبقى حاضرًا في القلوب، وفي الدعوات، وفي السيرة الطيبة التي لا يطويها الزمن.
رحم الله الأستاذ الفاتح المرضي رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
نم قرير العين أيها الإنسان النبيل… فقد تركت بين الناس أثرًا لا يمحوه الزمن، وسيرةً ستبقى تُروى كلما ذُكر الوفاء، والشجاعة، وشرف الكلمة.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
*ماجدة خوجلي*



