*بطاقة حمراء لوزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة.. 2-3 وزارة الشباب والرياضة.. الحاضر الغائب عن أكبر استحقاق وطني!.. وائل عبدالخالق مالك*

حين تسأل عن دور الدولة في كرة القدم يبتسم كثيرون سخرية وكأن الحديث عن الرياضة كسياسة عامة نوع من الترف الفكري لا يستحق جهد حكومي حقيقي في بلد يواجه حرب وانهيار اقتصادي. هذا بالضبط جوهر الخلل في تفكيرنا الجمعي. الدول التي تحترم نفسها وتحترم شبابها تتعامل مع الرياضة كملف سيادي بامتياز لأنها استثمار مباشر في الصحة العامة والاقتصاد الوطني والسلم الاجتماعي وصورة البلاد أمام العالم. لا توجد دولة جادة تترك ملف بهذا الحجم من التأثير ليتم إدارته بالصدفة.

أين وزارة الشباب والرياضة السودانية من كل هذا؟ نراها حاضرة في المناسبات الرسمية وفي التصريحات الإعلامية وفي الصور التذكارية مع الفرق الفائزة ولكن أين هي في اللحظة التي تتصارع فيها كتلة أندية الممتاز مع لجنة المسابقات حول ملف الهبوط والصعود حتى يتحول الخلاف الفني إلى قضية رأي عام تشغل الشارع الرياضي بأكمله؟ أين هي حين يتحول الخلاف الإداري داخل الاتحاد إلى صراع أجنحة معلن بين مراكز نفوذ متنافسة يهدد مصداقية موسم رياضي كامل ومصير أندية وجماهيرها؟ أين هي حين تلغى مباراة دولية ودية بقرار يفتقر للشفافية بينما كان يمكن لتلك المباراة أن تكون نافذة أمل ودعم معنوي لشعب أنهكته الحرب وتشتت أبناؤه بين المنافي والمخيمات؟

الوزارة بحكم موقعها الدستوري والإداري يجب أن تكون الجهة الرقابية العليا التي تضمن أن الاتحادات الرياضية — وعلى رأسها اتحاد الكرة — تدار بحوكمة حقيقية قابلة للمحاسبة لا بولاءات شخصية وتحالفات إدارية عابرة. دورها ليس التدخل في القرار الفني للمدرب أو تشكيلة المنتخب فهذا من اختصاص أهل الاختصاص الكروي الخالص لكن دورها الأساسي هو وضع معايير قانونية وإدارية ومالية صارمة ومحاسبة من يفشل في تطبيقها مهما علا موقعه وربط أي دعم حكومي أو تسهيل لوجستي بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس السنوي مثل كم ملعب متوافق مع المعايير الدولية تم بناءه أو ترميمه هذا العام؟ كم أكاديمية ناشئين حقيقية افتتحت في الولايات لا في العاصمة فقط؟ كم مدرب محلي حصل على رخصة تدريب احترافية معتمدة من الكاف أو الفيفا؟ كم حكم سوداني وصل إلى قوائم التحكيم القارية؟.

الرياضة استثمار اقتصادي مباشر لا يقل أهمية عن أي قطاع إنتاجي آخر. وجود دوري محترف قوي يعني عائدات إعلانية وإعلامية حقيقية ويعني سياحة رياضية تجلب عملة صعبة ويعني فرص عمل مباشرة لآلاف الشباب من مدربين وإداريين وإعلاميين وفنيي ملاعب ومسوقين. وهي في الوقت ذاته استثمار اجتماعي عميق حين تؤسس ملعب حي واحد يعني طفلًا واحدًا على الأقل بعيدًا عن الشارع وعن مخاطر الانحراف والتجنيد في أتون الصراعات ومذاك بناء منتخب وطني قوي يعني قدرة نادرة على توحيد جمهور منقسم سياسيًا وجهويًا حول راية واحدة ولو لتسعين دقيقة. حين تفشل الدولة في رعاية هذا الملف بجدية فهي لا تخسر بطولة أو موسم رياضي فقط بل تخسر أداة نادرة ومتاحة لبناء الهوية الوطنية الجامعة وسط أزمة تمزق البلاد على أكثر من جبهة.

المطلوب اليوم ليس بيانًا وزاريًا جديدًا يضاف إلى أرشيف البيانات ولا مؤتمرًا صحفيًا عابرًا بل استراتيجية وطنية شاملة لكرة القدم تمتد لعشر سنوات على الأقل تربط المدرسة بالنادي والنادي بالاتحاد والاتحاد بالمنتخب الوطني ضمن رؤية واحدة متماسكة تشرف عليها الدولة من موقع الرقابة والتمويل الاستراتيجي وتنفذها كوادر كروية مستقلة ونزيهة يتم إختيارها بالكفاءة لا بالمحاصصة.

هل تعتقدون أن الحل يبدأ من إصلاح الوزارة ذاتها أم أن المشكلة أعمق من أن يحلها قرار حكومي واحد مهما بلغت حسن نيته؟ رأيكم يهمني وربما يفتح نقاشًا نحن بأمس الحاجة إليه.

بطاقة حمراء لوزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة 2-3.. وزارة الشباب والرياضة.. الحاضر الغائب عن أكبر استحقاق وطني!

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole