*مفتاح المدى ( حكاوي من زمن الحرب) مابين رؤى الدبلوماسية الحديثة … وسفارة السودان بالرياض بقلم : د. محمد حمد محمداحمد حمد*

في الأزمنة التي يعلو فيها غبار الحرب، تتبدّل الأشياء في داخل الإنسان كما تتبدّل على الأرض. تتسع الرؤية، ويشتدّ الحسّ بالزمن، ويغدو التفكير في المستقبل ضرورة لا ترفًا. ولعلّ هذا ما جعلني أعود دائمًا إلى مفتاح المدى؛ ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوعي كلما ضاقت المسارات، ويعيد ترتيب علاقتي بالعالم، وبالكتابة، وبالدبلوماسية التي ظلّت — رغم كل شيء — جزءًا أصيلًا من تكويني الفكري.
لقد غلب على كتاباتي اهتمامٌ بالدبلوماسية، ليس بوصفها مهنة فحسب، بل بوصفها فنًّا لإدارة العلاقات الإنسانية قبل أن تكون إدارة للعلاقات الدولية. ومع دراستي لمرحلة الماجستير في التخطيط الاستراتيجي، تبدّل كل شيء طريقة التفكير، زاوية النظر، منهج التحليل، وحتى طبيعة الأسئلة التي أطرحها. صرت أرى الدبلوماسية من منظور التخطيط، وأرى التخطيط من منظور الدبلوماسية، وكأنّ كلًّا منهما يعيد تشكيل الآخر في داخلي.
الدبلوماسية بين التقليد والتحديث :
كثيرًا ما أدخل في نقاشات طويلة مع أصدقائي العاملين في السلك الدبلوماسي حول سؤال يبدو بسيطًا لكنه يحمل في جوفه تعقيدًا كبيرًا هل ما زالت الدبلوماسية التقليدية قادرة على إدارة عالم سريع التحوّل؟
يتمسّك بعضهم بالنمط التقليدي: البروتوكول، المراسلات، اللقاءات الرسمية، والتمثيل الخارجي بوصفه جوهر العمل الدبلوماسي. بينما أرى — من منظور التخطيط الاستراتيجي — أن هذا العالم لم يعد يحتمل الجمود، وأن الدبلوماسية الحديثة تحتاج إلى:
• برامج عمل مرنة تستجيب للمتغيرات.
• اختصاصات جديدة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.
• أنشطة مبتكرة تشمل القوة الناعمة والدبلوماسية الرقمية ودبلوماسية المعرفة.
• رؤية استشرافية تُعيد تعريف دور الدبلوماسي في عالم متشابك.
لكنني، رغم هذا الحماس للتحديث، أدرك أن هناك ظروفًا يجب أن تُراعى، وأبوابًا يجب أن تُفتح بحذر، وجدرانًا سميكة يجب أن تصبح شفافة دون أن تنهار. فالتغيير في المؤسسات ليس قرارًا، بل عملية تراكمية تحتاج إلى وعي وصبر وقيادة وإرادة سياسية.
بين زمن الحرب وزمن الدبلوماسية
الحرب تعلّم الإنسان شيئًا لا تعلّمه الكتبأن المستقبل ليس وعدًا، بل مسؤولية.وأن التخطيط ليس وثيقة، بل طريقة حياة.وأن الدبلوماسية ليست خطابًا، بل قدرة على رؤية ما وراء الجدران.
من هنا، يصبح «مفتاح المدى» ليس عنوانًا للكتابة، بل رمزًا لرحلة فكرية تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع المعرفة الأكاديمية، ويتداخل فيها زمن الحرب مع زمن الدبلوماسية، ويتحوّل فيها السؤال إلى بوابة نحو رؤى جديدة.
زيارة إلى أمّ السفارات … مشاهدات من داخل سفارة السودان بالرياض :
بالأمس، دخلتُ سفارة السودان بالرياض بعد غيبة طويلة، كأنني أدخل ذاكرة قديمة أعرف تفاصيلها، لكنني أحمل هذه المرّة عينًا أخرى؛ عين المراقب الحصيف الذي لا يكتفي بما يراه، بل بما وراء ما يراه.
كنت أتساءل في داخلي هل تغيّر شيء؟ أم ما تزال الصورة الذهنية القديمة تحكم المكان؟
صورة الصفوف الطويلة، والانتظار الممل، والوجوه المتعبة التي كانت تبعث في النفس شيئًا من «حتي» لا تخطئه الروح.
لكنني وجدت شيئًا مختلفًا، وجدت سودانًا مصغّرًا تحيط به الجدران، لكنه ينبض بحركة جديدة، وترتيب واضح، ومسارات تدلّ على عقلٍ يُحسن إدارة التفاصيل. بدا المكان كأنه ينهض من إرثه القديم، ويعيد تشكيل نفسه بروح أكثر تنظيمًا ووعيًا.
عميد الدبلوماسية… وروح الشباب :
في قلب المشهد، يبرز عميد الدبلوماسية السودانية والمبعوث الرئاسي السفير دفع الله الحاج علي ؛ حضورٌ يشي بخبرة طويلة ورؤية تراكمت عبر سنوات من العمل الخارجي.
لكن اللافت أن التنفيذ على الأرض كان بيد طاقم شاب يقوده السفير الباهي ، ومعه مجموعة تحمل روحًا جديدة :
ود البدوي، و ودبلوماسيون واداريون وماليون بقيادة إخلاص والماحي وعلي وسليمان والحاج واحمد وعوض حسين وطاقم الجوازات بقيادة السيد / خالد ابن الشرطة السودانية وكلية شرق النيل ( جامعتي ) التي علمتنا العلم وروح العطاء ، التحية ايضاً موصولة لافراد طاقمه واركان حربه وسلمه جاوو امتدادا للاخ رحمة الله المدير السابق للجوازات بالسفارة ، السفارة كلها تستحق ان نذكر طاقمها واحدا واحد من بوابة الاستقبال الي كل الموظفين والعمال فيها .
كان المشهد مزيجًا بين الخبرة والحداثة، بين إرثٍ طويل وطاقاتٍ شابة تريد أن تصنع شكلًا جديدًا للدبلوماسية السودانية.رأيتُ في ذلك الترتيب ما يشبه إعادة هندسة للمؤسسة، لا في البنية فقط، بل في العقل الذي يديرها.
وجوه قديمة… وونسة ود بلد:
التقيتُ أصدقاء قدامى : سامي وسامي ، وصلاح الذي بدا كأنه يستعد للانتقال إلى موقع آخر ، تجاذبنا أطراف الحديث، حديث «اولاد البلد» لا يحتاج إلى بروتوكول ولا إلى ترتيب مسبق؛ حديثٌ يعيد الإنسان إلى جذوره مهما ابتعدت به المناصب. لكن ما علِق في ذهني حقًا كان نقاشي مع الأخ إيهاب، المستشار في السفارة، لفت نظري انفتاحه، ورؤيته، وعمق تفكيره، وطريقة إدارته لملفاته، كان يتحدث بعقلٍ استراتيجي، لا بعقلٍ إداري تقليدي، وهذا ما جعل الحوار معه ممتعًا ومثمرًا.

سهام النقد… قبل أن نلتقي في السلك الدبلوماسي :
قبل أن نلتقي في حوش السلك الدبلوماسي, كنت أعرف مهند عجبنا من جهة أخرى؛ من تلك الخلفية الأدبية التي جمعتنا في زمنٍ كانت فيه الكلمة هي المهنة الأولى، والخيال هو الساحة التي نتحاور فيها.
ولذلك لم أفاجأ حين رماني — في تلك الزيارة — بسهم نقدٍ صريح، وهو يقول إن كتاباتي أصبحت تميل إلى السياسة أكثر مما ينبغي.
كان يتحدث بنبرة صديق يعرف مساري جيدًا، ويعرف أن الأدب هو الأصل في تكويني، وأن السياسة ليست إلا ظلًا يمرّ على النص حين يقترب الكاتب من قضايا وطنه ، كان نقده مرآة أعادت ترتيب علاقتي بالكتابة، وذكّرتني بأن الأدب يظلّ الجذر مهما تشعّبت الفروع.
ختاما :
خرجتُ من السفارة وأنا أحمل انطباعًا مختلفًا أن الدبلوماسية السودانية — رغم ما يحيط بها من تحديات — بدأت تفتح نوافذ جديدة، وتعيد ترتيب بيتها الداخلي، وتمنح الشباب فرصة ليكونوا جزءًا من صناعة المستقبل.
وأن «مفتاح المدى» لا يزال يفتح أبوابًا جديدة في داخلي، كلما اقتربت من هذا العالم الذي تتداخل فيه السياسة مع الأدب، والدبلوماسية مع التخطيط، والرؤية مع التجربة.
ولنا عودة…
فالحكاية لم تكتمل، والمشهد يستحق أن يُكتب مرة أخرى، وربما مرة ثالثة، لأن الدبلوماسية — مثل الوطن — لا تُرى من زيارة واحدة .
ونواصل mashahid3000@gmail.com….

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole