*الإعلام الغربيّ وحقوق الإنسان: الخلفيّات والرّهانات* عصام العدوني*

إذا كانت قضايا حقوق الإنسان قد بَرزت على سطح النقاش العموميّ، بما في ذلك السياسيّ والإيديولوجيّ والإعلاميّ، منذ عقودٍ عدّة، فالمُلاحَظ أنّ بريقَها وثقلَها لم يخفت أو يَتراجع إلى اليوم. بل إنّ هذا النقاش دائماً ما يتجدّد أو يتكرّر بظهور سياقاتٍ أو وقائع أو رهاناتٍ دوليّة وجيوسياسيّة مُختلفة (سياق الربيع العربيّ مثلاً).

وإذا كانت الفترة التي تلت الحرب العالميّة الثانية من القَرن الماضي شهدتْ إصدارَ العديد من الإعلانات والمواثيق الدوليّة الخاصّة بحقوق الانسان، فإنّ ما كان يُميّزها هو اندراجها في إطار التقاطبات والصراعات السياسيّة والإيديولوجيّة بين المعسكريْن الغربيّ والشرقيّ، وبالتالي في إطار صراع المصالح والتموقُعات والمُنافسات الدوليّة، وكانت إحدى مزايا هذا الصراع هو إقرار نوع من التوازُن والتكافؤ في التعاطي مع حقوق الإنسان، وذلك بالمُزاوَجة بين الحقوق السياسيّة المدنيّة من جهة، والحقوق الاقتصاديّة والثقافيّة من جهةٍ أخرى، أو بين الحقوق الفرديّة اللّيبراليّة والحقوق الجماعيّة وحقوق التنمية والتضامُن بين الشعوب.

وقد تجدَّد النقاشُ وأَخذ بريقاً أكثر منذ التسعينيّات من القرن الماضي، وهي الفترة التي تزامنت مع ظهور متغيّراتٍ دوليّة جديدة، أبرزها العوْلمة والتحوُّلات الجيوسياسيّة النّاتجة عن زوال التقاطُبات الإيديولوجيّة التي طَبعت الفترةَ المُمتدّة من نهاية الحرب العالميّة الثانية إلى سقوط جدار برلين في العام 1989، وبروز ميزان قوى جديد قائم على الأحاديّة القطبيّة بزعامة الولايات المتّحدة الأميركيّة. هذه الأحداث شكَّلت في مجملها منعطفاتٍ كبرى في التاريخ، أَسفرت من بين ما أَسفرت عنه، إدراج حقوق الإنسان في الأجندة الدوليّة، من خلال تفكيك مبدأ “سيادة الدول” و”عدم التدخُّل”، لمصلحة مقاربة حقوق الإنسان ونشْر الديمقراطيّة. كما تزامَن هذا التحوُّلُ مع التطوُّر الكبير لمُجتمع الإعلام والمعلومات، والذي أعطى دفعةً قويّة وبُعداً عالميّاً جماهيريّاً وسائطيّاً لقضايا حقوق الإنسان.

وممّا لا شكّ فيه أنّه بفضل تطوُّر مجتمع الإعلام والمعرفة أصبحت الوسائط الإعلاميّة اليوم من أهمّ وسائل الإخبار والمعلومة، وبالتالي من أهمّ قنوات التأثير في الاتّجاهات والمواقف وصناعة الرأي العامّ. فقد باتَ من المؤكّد أنّ الإعلامَ بمكوّناته المُختلفة (السمعيّة والبصريّة والمكتوبة والرقميّة والتفاعليّة) أَصبح سلطةً خارقة لا تُضاهيها السلطات الأخرى من حيث القدرة على إنتاج المعلومات وترويجِها في مدّة وجيزة على نطاقِ الكوكب، وبالتالي التأثير في العقول والتصوُّرات وصَوْغ الأفكار والأحاسيس والحالات النفسيّة والوجدانيّة، والتنشئة الاجتماعيّة وخلْق الهابيتوسات والمواقف، والنماذج الثقافيّة واستهلاكها والتأثير في العمليّات التربويّة والتعليميّة… إنّ الوسائط الإعلاميّة لا تَنقل الوقائع كما هي كـ “معطى خامّ” وإنّما تُعيد بناءها، فهي تُعيد تشكيل الوقائع الماديّة والذهنيّة لأفراد اليوم ومُجتمعاته. وبَين الوقائع كما هي وإعادة تمثيلها وتصويرها في الإعلام يكمن رهان الموضوعيّة والاستقلاليّة.

*الإعلام والمُقارَبة المتحيّزة لحقوق الإنسان*

إنّ أيّ مُراقِبٍ مُحايِد لا يحتاج إلى عناءٍ كبير لملاحظة أنّ الحوادث أو الوقائع أو المُمارسات الثقافيّة والتربويّة أو أيّ مسألة ذات صلة من قريب أو من بعيد بحقوق الإنسان وحريّاته، بخاصّة حين يكون مسرحَها بلدانٌ تقع في أطراف النظام الرأسمالي الغربي، أو ضمن مجموعاتٍ سياسيّة وثقافيّة مُختلفة عن البلدان الغربيّة، وسواء تَمظهرت في خروقاتٍ أو تجاوزاتٍ جزئيّة ومعزولة أم في أشكالٍ من الحرمان والإقصاء، أم في ممارساتٍ مرتبطة بالبناء السوسيوثقافي أو بطبيعة التنظيم الاجتماعي والاقتصادي (نذكر على سبيل المثال الهَدْر المدرسي للفتاة الريفيّة باعتباره حرماناً من الحقّ في التعليم، حيث يتأرجح تفسيرُه بين العوامل السوسيوثقافيّة المُرتبطة بالثقافة المحليّة كالدّين والتقاليد والشرف، أو بمحدِّداتٍ مرتبطة بطبيعة التنظيم الاجتماعي/ الاقتصادي، وبوظائف الأسرة في الوسط القروي بشكلٍ خاصّ، كالحاجة الملحّة لليدِ العاملة النسويّة في الأشغال الاقتصاديّة الأُسريّة)، أم كانت بمثابة انتهاكاتٍ ذات دوافع بنيويّة لها صلة بطبيعة النُّظم السياسيّة وأنماط الحُكم والثقافة السائدة فيها (لا ديمقراطيّة من دون أشخاصٍ ديمقراطيّين)، فإنّها في جميع الأحوال تُشكِّل مادّةً دسمة، ودائمة الحضور في الإعلام والسياسة الغربيَّيْن.

إنّ فهْمَ الأساليب والآليّات التي من خلالها يتمّ انتقاء أحداثٍ ووقائع ومُمارساتٍ بعيْنِها دون غيرها وبثّها للعموم واستيعابها، ومن ثمّة إعطائها نعت “الخبر” أو “المعلومة” أو “الظاهرة” التي تستحقّ أن تُسلَّط عليها الأضواء، وتَصدر في شأنها التقارير والأحكام “الموضوعيّة” و”المُحايدة” خدمةً للحقيقة، يَرتبط لزوماً في نظرنا بضرورة الأخْذ بالاعتبار بعض العناصر الأساسيّة التي تدخل في خلفيّات ورهانات تشكيلِ هذه الوقائع وصَوْغِها.

*أوّل هذه العناصر يتعلّق بمضامين الأحداث ودلالاتها وعلاقتها بمرجعيّة حقوق الإنسان بشكلٍ عامّ أو بمبدأ وحقّ معيّن من حقوق الإنسان بشكلٍ خاصّ؛ انطلاقاً منه يَظهر أنّ التمييز والانتقائيّة هُما السمتان الغالبتان، حيث يتمّ انتقاء الوقائع التي تستحقّ التغطية الإعلاميّة. إنّ الحقوق الاقتصاديّة والتنمويّة من قبيل الحرمان الاقتصادي أو الاجتماعي، الهشاشة، البطالة، الفقر… تُعتبر أقلّ أهميّة، بينما الحقوق السياسيّة والثقافيّة من قبيل حريّة التعبير والاجتماع والرأي، حريّة الضمير، الحياة الخاصّة للأفراد، الولوج للإنترنت، تحظى بالأولويّة القصوى. في هذا السياق تنطرح أمامنا التساؤلات التالية: هل يَخضع انتقاءُ الوقائع وتصويرها ونقْلها وتدوينها لاعتباراتٍ موضوعيّة/ مهنيّة، وإنسانيّة/ حقوقيّة، كما يتمّ الادّعاء، أم لاعتباراتٍ أخرى قد تكون سياسيّة واقتصاديّة وأخلاقيّة؟ وإلى أيّ حدٍّ تكون الوقائع المنقولة مُطابقةً للواقع أم مجرّد اختلاقٍ وهمي ودعاية مُغرِضة، وتلفيقٍ وتضليلٍ ونشْرٍ لمعلوماتٍ مغلوطة؟ الأكيد اليوم أنّ الحربَ الإعلاميّة، حرب الصورة والأيقونة واللّقطة والكلمة، لا تقلّ خطورةً عن الحرب العسكريّة؛ وإنّ الرواج الإعلامي لخطاب تقسيم العالَم إلى محورَيْن أحدهما “محور الخير” والآخر “محور الشرّ”، والدول إلى صديقة و”مارقة” خير مثال.

*العنصر الثاني تكنولوجي “فالتقنيّة ليست مُحايدة، ولكلّ حاملٍ محموله”. يتعلّق هذا العنصر بطبيعة الحامل الوسائطي ونوعيّته، حيث تَختلف حدّة وصدى التأثير الذي يَخلقه الحدثُ أو الخبرُ بحسب نوعيّة الوسيلة التي تُمرّره. إن كان يَتمّ عن طريق الصورة التلفزيّة أو الرقميّة فإنّ تأثيَره يكون أكبر نَظراً لطبيعة الصورة ونمط اشتغالها وتأثيرها على المتلقّي، حيث في الغالب يتمّ تشكيل القناعات والأفكار من خلال التركيز على البُعد العاطفي الانفعالي والذي يترسّخ في لا وعي المتلقّي، بشكلٍ يَجعل استجاباتِه وردودَ أفعاله تَصدر بداهةً وبشكلٍ تلقائي من هذه الرواسب اللّاشعوريّة التي يتمّ تمريرها له من خلال سلطة وإثارة ودهاء الصورة والبثّ المباشر والنقل الحيّ. أمّا إن كان تلقّي الخبر أو الحَدث يتمّ من خلال الكلمة أو الكتابة الورقيّة سواء الصحافيّة أم الأكاديميّة، فإنّ تأثيرَه يكون أقلّ نسبيّاً باعتبار أنّ اللّغة كوسيلة لبلوغ المعنى تتطلّب من المتلقّي التوفّر على أواليّات وقواعد لغويّة ونحويّة ودلاليّة أو كفاياتٍ لغويّة لاستنباط المعنى. بمعنى أنّ الخبرَ المنقول بواسطة الكتابة والكلمة يَأخذ فيه البُعد العقلاني مجالاً أوسع، ويكون تأثيره أقلّ حدّة من الصورة، بخاصّة المُتحرّكة (فيديوهات، أفلام، وثائقيّات، أخبار على الهواء…) في ترسيخ القناعات والتصوُّرات والأحكام الجاهزة. وبما أنّ الكتابة أصبحت في تراجُعٍ مُستمرّ لفائدة الصورة والرقْمَنة، فالأكيد أنّ الصور والكليشهات النمطيّة التي يَبثّها التلفزيون والسينما والإعلام الرقمي والإنترنت في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان في البلدان غَير الغربيّة سيكون تأثيرها قويّاً في المتلقّي الغربي لأنّها تُخاطب العاطفة والوجدان وتُدغدِغ المشاعر، وتنهل من مخزون سيكولوجيّة الجماهير، وبالنتيجة تؤدّي إلى استبطانه لتلك الصور النمطيّة الموروثة عن الاستشراق والاستشراق الجديد، عن الآخر ذلك البدائي، المتوحّش، أو المتخلّف المُستبدّ، الذي يعيش في العنف والفوضى، وحالة الطبيعة التي ليست سوى حياة الغريزة والحيوانيّة. باختصار الكائن الذي يَجهل حقوقَ الإنسان وحريّاته، لأنّه يَجهل حالةَ المدنيّة إنْ على صعيد الوعي الذاتي أو على صعيد التنظيم الاجتماعي. يرى إدوارد سعيد أنّ الأحكام المسبقة والتعميمات الجزافيّة وغير المُحِقّة التي يُنتجها خبراءٌ يدّعون معرفة ثقافة العرب والمُسلمين وطباعهم… هي استمرارٌ للفكرة الاستشراقيّة التي مفادها أنّ هذه الشعوب البعيدة ليست مثلنا “نحن” ولا تتقبَّل قيَمَنا “نحن” (Edward W. Said, “L’humanisme dernier mur contre la barbarie” ,Le Monde Diplomatique, Septembre 2003)، … والمشبعة بالنّزعة الوطنيّة الضيّقة التي تتصوَّر ما سواها أعداء، والنّفحة الدّينيّة المسيحيّة المصحوبة بنظرةٍ أخلاقيّة – مثاليّة مجرَّدة عن المصالح والأهواء (Edward. W. Said “L’autre Amérique”, Le Monde Diplomatique, Mars 2003).

*ثالث العناصر يَخصّ طبيعة الرّهانات والمُنافسات الدائرة بين مُنتجي الخَبر ومروِّجيه وصانعيه، نَقصد المؤسّسات الصحفيّة والإعلاميّة الرأسماليّة المتنافسة في ما بينها من جهةٍ أولى، على اعتبار أنّها مقاولاتٌ اقتصاديّة/ إنتاجيّة هاجسها الأوّل تحقيق الأرباح ومُراكَمة الثروات من خلال استهداف الجمهور والمُستهلِكين، وبين باقي المؤسّسات السياسيّة والمدنيّة والمنظّمات الإنسانيّة والحقوقيّة من جهةٍ ثانية، والتي قد يكون لها اختصاصٌ أو صلةٌ ما بالأحداث المُراد نقلُها وبثُّها والترويجُ لها، وذلك بحسب حاجة كلّ طَرَف على حدة ومبتغاه (مصالح اقتصاديّة، جيوسياسيّة، ثقافيّة، حقوقيّة…). كما يهمّ الرّهانات والمصالح الجيوسياسيّة والإيديولوجيّة للدول والحكومات في ما يخصّ قضايا حقوق الإنسان وحريّاته (تحالُفات أو تقاطُبات سياسيّة/ إيديولوجيّة: ليبراليّة، اشتراكيّة، ثيوقراطيّة، هويّاتيّة (تُثار مسائل حقوق الإنسان في الصين وإيران أكثر من الدول الخليجيّة، يتمّ التغاضي عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني…). إنْ أخذْنا بعَين الاعتبار لمجموع هذه العناصر والمُعطيات في التحليل، يُسمح باستنتاج أنّ خطاب حقوق الإنسان وحريّاته، كما هو متداوَل و رائج اليوم في وسائل الإعلام الغربيّة ولدى الحكومات والمنظّمات الإنسانيّة ومراكز القرار العالَمي، يَستند إلى دوافع وخلفيّات كثيراً ما تتجاوز البُعد الحقوقي والإنساني المحض لتَسقطَ في فخاخ المصالح وعلاقات القوّة والهيْمَنة المُلازمة للعلاقات بين الدول، ولعلاقة الفكر الغربي بالآخر، منذ نشأته في كنف الحداثة الغربيّة ورديفتها المركزيّة الغربيّة، التي ظلَّت بمثابة اللّا مفكَّر فيه الغربي في النظرة إلى الآخر والتعاطي معه، فهو بدائي، غير متحضّر، متخلّف، وفي أحسن الأحوال في طور التحديث، ناهيك بمُزاوَجة عنف المعرفة (العلم/ التقنيّة) مع عنف المصالح الماديّة والاقتصاديّة والجيوسياسيّة التي أَضحت وقودَ العوْلَمة.

إنّ هذا الاستنتاج لا يَعني تجريد خطابات حقوق الإنسان من كلّ مصداقيّة، ولا تبريرَ التطاوُل والتعدّي على حقوق الإنسان وحريّاته، التي تبقى مقدَّسة ولا يُمكن المساسُ بها تحت أيِّ مُسمّى خصوصي أو ثقافي. إنّ غرضَنا من بحثِ كيفيّاتِ وسُبُلِ تعاطي الإعلام الغربي مع حقوق الإنسان وحريّاته يتمثّل في اذكاء الوعي بحقيقتها وخلفيّاتها ورهاناتها، وذلك من أجل أخْذ المسافة الابستمولوجيّة والمنهجيّة والنقديّة تجاهها.

*كاتب من المغرب

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole