*مطبات طريق ​بقلم : وداد الماحي ​العودة إلى الديار.. تعبيد “مطبات الطريق” نحو استقرار مستدام*

​حين تُدشن وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية بالقاهرة الفوج الثاني من مبادرة “العودة إلى الديار”، والتي تستهدف ترحيل عشرة آلاف مواطن سوداني إلى أرض الوطن، فإننا نشهد خطوة استراتيجية وتنفيذية متقدمة تستحق التقدير والدعم. هذا التحرك الرسمي والطوعي المنسق لا يقتصر فقط على تيسير لوجستيات السفر، بل يفتح في جوهره طاقة أمل واسعة نحو الاستقرار، ويبرهن على التزام حقيقي ومسؤول من الدولة تجاه مواطنيها بالخارج.
​مصر والسودان.. روابط أزلية في مواجهة الأزمات

​وفي هذا المقام، لا يمكن أن نغفل توجيه تحية إعزاز وتقدير مستحقة، وشكر وفاء لجمهورية مصر العربية؛ قيادةً، وحكومةً، وشعباً، على وقفتها الأخوية الصادقة واحتوائها الكريم للأشقاء السودانيين طوال الفترة الماضية. إن هذا الدعم الممتد يجسد عمق الروابط التاريخية والأزلية بين شعبي وادي النيل، ويظل محفوراً في وجدان الشعب السوداني الذي وجد في شقيقته مصر الملاذ الآمن والترحاب الأخوي في أحلك الظروف.
​إن وضع هذا الملف على طاولة التحليل من خلال نافذة النقد الإيجابي والبناء، يهدف بالأساس إلى إسناد هذه الجهود وتعبيد “مطبات الطريق” لضمان ديمومة هذا النجاح وتطويره؛ فالغاية الأسمى لا تنتهي عند مرحلة النقل والوصول، بل تبدأ مع خطوات الاندماج والإنتاج الفعلي في الولايات المستقرة.

​من الرعاية إلى الكفاية.. تحدي الإنتاج وكسب العيش
​أولى محطات هذا الإسناد تتمثل في بلورة خطط “تأمين سبل كسب العيش”. إن الرؤية المتميزة التي طرحتها الوزارة بالتعاون مع ديوان الزكاة ومصرف الادخار لتمليك العائدين مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، تعد ركيزة أساسية للتحول من مرحلة الرعاية إلى مرحلة الكفاية والإنتاج. ولتحقيق أقصى استفادة من هذه المبادرة، تبرز أهمية تعزيز قنوات المتابعة الميدانية وتقديم الدعم الفني المستمر لهذه المشروعات الناشئة، بما يتوافق مع طبيعة الميزات الاقتصادية لكل ولاية، لضمان تحولها إلى قواطع استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام للأسر العائدة.

​وعلى الصعيد الخدمي، فإن التحدي الإيجابي الذي يواجه الولايات المستقلة والمستقبلة لهذه الأفواج يكمن في ترقية واستيعاب قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه. ومن هنا، تكتسب تأكيدات وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الأستاذ معتصم أحمد صالح، أهمية بالغة وهو يضع الخطوط العريضة لالتزام “حكومة الأمل” بتهيئة البيئة المناسبة وتحسين الخدمات الأساسية. هذا الالتزام التنفيذي يتكامل بشكل وثيق مع الرؤية الدبلوماسية التي عبر عنها سفير السودان بالقاهرة، الفريق أول عماد الدين عدوي، بوصفه المبادرة بأنها “محطة مفصلية في تعافي الوطن واستعادة عافيته”، مما يؤكد أن الدولة تتحرك بجميع أجهزتها لإنجاح هذا المشروع الوطني الكبير.
​أفواج العودة.. طاقات واعدة في ساحة البناء والإعمار
​إن الرغبة الجارفة والصادقة التي لمسناها في التدفق الطوعي للمواطنين، والتي أشار إليها رئيس لجنة الأمل، المهندس محمد وداعة الله، بتأكيده على استمرار الجهود حتى عودة آخر مواطن، تضعنا جميعاً أمام مسؤولية العمل على توفير أقصى سبل الراحة والأمان للعائدين. هذه الراحة تتطلب تضافراً مستمراً بين مختلف الجهات لتسهيل الإجراءات عبر المعابر البرية (أرقين وأشكيت) وتوفير مراكز الإسناد الطبي والنفسي المرافقة للأفواج، لتكون رحلة العودة مريحة ومحفزة.
​وفي هذا الإطار، يمكن للمبادرة أن تفتح مساراً واعداً عبر دمج طاقات العائدين في برامج ريادة الأعمال الجماعية، من خلال تفعيل دعوة الوزارة لرجال الأعمال والخيرين والمنظمات الإقليمية للاستثمار في مشاريع تنموية كبرى داخل الولايات المستقرة. إن تحويل مهارات وخبرات العائدين التي اكتسبوها في الخارج إلى قوة عمل منظمة في مجالات الزراعة، والصناعات التحويلية، والخدمات، سيمثل رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي، ويجعل من العودة الطوعية محركاً أساسياً من محركات النهضة والتنمية الشاملة.

​إن مبادرة “العودة إلى الديار” تمثل نموذجاً مشرقاً للتكامل بين مؤسسات الدولة والعمل الطوعي، والنجاح الحقيقي والمستدام لهذه الخطوات المباركة يُقاس بقدرتنا المشتركة على تحويل الرغبة الصادقة في العودة إلى واقع إنتاجي وتنموي ملموس على الأرض. إن استمرار التنسيق العالي وتفعيل آليات المتابعة والرصد الميداني كفيل بتذليل كل العقبات العابرة، لتظل بوابات الوطن دائماً ساحة للبناء، والإعمار، والاستقرار المستدام.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole