هذا ليس عنوان دراماتيكي للمقال بل هذا ملخص ما حدث فعليًا مع قرار حظر استيراد الكماليات في السودان. وأنا أعتقد أن هذا التراجع على عكس ما يبدو هو أفضل شيء فعلته الحكومة في هذا الملف منذ شهور. إذا راجعنا القصة من بدايتها في 12 أبريل 2026، عندما صدر قرار مجلس الوزراء رقم (74) بحظر استيراد مجموعة سلع كمالية وغير ضرورية كان الهدف المعلن هو تقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على الدولار في بلد يعيش حربًا منذ أبريل 2023 وتضخمًا تجاوز 120% في 2025 وفجوة تجارية صادمة حيث هناك صادرات بـ4.3 مليار دولار مقابل واردات قاربت 10 مليارات. الجنيه نفسه يعيش أزمات مزدوجة بسعر رسمي وسعر موازي بينهما فجوة حقيقية.
المشكلة حقيقية ولا أحد يستطيع أن يجادل في ذلك لكن انظروا كيف نفذ الحل. وزارة الصناعة والتجارة قالت أول الأمر إن القائمة تضم 34 سلعة. بعد أيام تسربت قوائم تتحدث عن 45 سلعة. ثم بيان رسمي يرفع العدد إلى 46. ثم تصريح آخر يقول إنها قلصت القائمة من 45 إلى 34 من جديد. وبين كل هذا إندومي وكاتشب وشعيرية وبسكويت إلى جانب أعمال فنية وقطع أثرية وغيرها في قائمة واحدة بلا منطق تصنيفي واضح. المثير للرثاء هو أن الحكومة لا تستطيع أن تتفق مع نفسها على عدد السلع التي تحظرها من البديهي أنها لن تستطيع أن تضبط تنفيذ هذا الحظر على الأرض. هذه لم تكن سياسة اقتصادية بل هي ببساطة فوضى بشكل قرار.
عندما نتحدث عن السؤال الجوهري لماذا التدخل الإداري المباشر في السوق فكرة سيئة من الأساس؟ فلا بد من التأكيد على أنه حين تواجه دولة أزمة عملة أمامها طريقان. الطريق الأول أن تعالج السبب. سعر صرف واقعي وعجز موازنة مضبوط وإنتاج محلي يتنفس. الطريق الثاني أن تعالج العرض بالقمع فتمنع وتقيد وتحظر. الطريق الثاني أسهل سياسيًا وأسرع إعلاميًا ولا يحل شيئًا على الإطلاق وهو ما فعلته الحكومة السودانية بالضبط. لماذا؟ لأن الطلب على السلعة لا يموت بقرار وزاري. هو فقط يغير عنوانه ويذهب إلى التهريب عبر الحدود أو إلى الاستيراد بالواسطة والتصاديق بسعر صرف موازي مرتفع أو إلى احتكار تاجر قادر على تجاوز القيد. والنتيجة في كل الحالات واحدة وهي إن السلعة تصل للمستهلك بسعر أعلى والدولة تخسر الرسوم الجمركية التي كانت ستجنيها لو سمحت بالاستيراد الرسمي والرابح الوحيد هو المهرب والمحتكر لا الخزينة العامة.
هذا الحديث ليس رأي شخصي وإنما هذا ما تكرره كل دراسة لأزمات سعر الصرف في العالم التي تؤكد إن القيود التجارية بديل ضعيف عن تصحيح سعر الصرف. وانخفاض العملة في السوق السوداء الناتج عن هذه القيود له نفس الأثر التضخمي الذي كانت القيود تحاول تجنبه. ولسنا نحن أول من جرب هذا الطريق المسدود. مصر فرضت بين 2022 و2024 قيودًا شبيهة على استيراد سلع غير أساسية عبر إلزام المستوردين بالاعتمادات المستندية. النتيجة كانت تكدس بضائع ضخم في الموانئ المصرية لشهور واضطر البنك المركزي في النهاية للتراجع تدريجيًا عن أغلب القيود. القيد لم يحل أزمة الدولار وإنما أجلها فقط وأضاف فوقها كلفة تعطل سلاسل التوريد.
وعلى المستوى الدولي حذر خبراء مكافحة التجارة غير المشروعة من أن الحظر الشامل على فئات كاملة من المنتجات ينعش السوق السوداء أكثر مما يقلصها وذكروا تجارب دول شهدت ارتفاعًا في التهريب بعد تشديد قيود الاستيراد. وفي المقابل من يريد نموذجًا ناجحًا فهناك نموذج فيتنام في الثمانينيات التي كانت اقتصادًا مغلقًا منهكًا بالتضخم والندرة وحين فتحت تجارتها وحررت أسعارها تدريجيًا تحت سياسات دوي موي تحولت إلى أحد أسرع اقتصادات آسيا نموًا. والهند في 1991 وهي تواجه أزمة ميزان مدفوعات تشبه أزمتنا اليوم لم تزد القيود بل فككت معظم نظام تراخيص الاستيراد الذي كان يخنق اقتصادها وهذا ما يعتبره أغلب الاقتصاديين بداية نمو الهند الحقيقي. الفرق بين هذه التجارب وتجربتنا ليس في حجم الأزمة بل في اتجاه القرار الذي اعتمد على انفتاح مدار بدل الإغلاق الإداري.
السؤال الملح هو إذا لم يكن الحظر هو الحل. فما هو الحل؟ وصفة الحل في رأيي الشخصي تتلخص في خمس نقاط لا أكثر هي:
1. توحيد سعر الصرف ولو تدريجيًا. فالفارق بين السعر الرسمي والموازي هو محرك كل أزمات الدولار في البلد. أي سياسة لا تلمس هذا الفارق تطارد عرضًا وتترك السبب قائمًا.
2. استخدام التعريفة الجمركية لا الحظر الكامل. رسوم جمركية مرتفعة تصاعدية على السلع الكمالية الحقيقية تحقق نفس الهدف لكنها تجلب إيرادًا للدولة بدل أن تخلق فرصة تهريب وتترك للسوق أن يحدد بنفسه ما هو كمالي فعلًا.
3. ضبط عجز الموازنة بعيدًا عن طبع النقود. فجزء كبير من التضخم وانهيار الجنيه سببه تمويل العجز بالإصدار النقدي لا فاتورة الاستيراد فقط.
4. تحفيز مصادر الدولار الحقيقية بدل تقييد استخدامه وذلك عبر قنوات رسمية تنافسية لتحويلات المهاجرين والمغتربين ودعم صادرات الذهب والصمغ العربي والزراعة. هذا عرض حقيقي للدولار أكثر استدامة من أي قرار يكتفي بتقليص الطلب.
5. اعتماد منهج الشفافية في القرارات الحكومية قبل القرار لا بعده. فوضى الأرقام بين 34 و45 و46 هي فوضى كان يمكن تجنبها بدراسة أثر منشورة ومشاورة مسبقة مع الغرف التجارية والقطاع الخاص.
في الخلاصة تجميد قرار الحظر ليس تراجعًا يستحق الحرج. هو تصحيح يستحق أن يبنى عليه. المشكلة لم تكن في وجود سلع كمالية بل في الوهم أن منعها بقرار إداري سيحل أزمة عملة سببها الحقيقي الحرب والعجز المالي وتعدد سعر الصرف. كما إن انسحاب الدولة من تفصيلات السوق ليس تخليًا عن دورها بل هو تفويض لما يفعله السوق بكفاءة أكبر لتتفرغ الدولة لما لا يقدر عليه غيرها وهو سياسات ضبط سعر الصرف الواقعي وانجاز موازنة منضبطة وبيئة تصدير تجلب الدولار الذي تبحث عنه كل هذه القرارات من الأساس.




