في هذا المقال يحاول أبو مغفرة شرح أسباب استمرار تدهور سعر صرف الجنيه السوداني منذ بداية التدهور والي حين كتابة هذا المقال.
(١)
أستخدام بنك السودان المركزي لتحقيق أغراض وأهداف سياسية لا اقتصادية؛
بعد خمسة أشهر فقط من سيطرة الرئيس جعفر نميري على السلطة مدعوما بالحزب الشيوعي السوداني، قرر بنك السودان المركزي إجراء أول تبديل للعملة الوطنية، دون مبرر إقتصادي وقتها. (انظر القرار المنشور في الجريدة الرسمية – مرفق)
لكن الصحف الناطقة باسم النظام الاشتراكي للدولة، والقادة السياسيون أعلنوا يومئذ بأن قرار بنك السودان المركزي إستبدال العملة، أملته ضروريات تنفيذ سياسة التأميم، وسوف نأتي الى التأميم في الفقرة الثانية من هذا المقال، تلك السياسة التي صدرت في يناير 1970م. أي بعد خمسة أشهر فقط من إنقلاب مايو 1969م.
صرح قادة الحزب الشيوعي السوداني المتحالف مع النميري، بأن التحول الاشتراكي للدولة يهدف لتحقيق العدالة الإقتصادية، وإعادة توزيع الثروة، والسيطرة على الموارد، ووقف تدفق الأرباح للخارج من خلال البنوك والشركات الأجنبية، وتمكين الدولة من السيطرة على مفاصل الإنتاج والخدمات ضمانا للعدالة الإجتماعية !!!.
وحسبك من ذلك التوجه الاشتراكي الكارسي، أن النميري نفسه قد قال في برنامج “أسماء في حياتنا للأستاذ عمر الحزلي” (إن واحد من القرارات التي يشعر بالحزن والندم على اتخاذها هو قرار التأميم)
(٢)
ماهو التأميم؟!
التأميم هو أن يتم إعتبار الشركات الأجنبية ورؤوس الأموال المستثمرة في الدولة والتجار ورجال المال والأعمال، شبكة مصالح (طفيلية) قد راكمت الثروات والمنافع والأرباح، وسيطرت على وسائل الإنتاج، بينما تركت الطبقات الفقيرة محدودة الدخل ترزح تحت خط الفقر يوم بعد يوم.
وبناء على هذا التصنيف تتم مصادرة الأموال والشركات الأجنبية والوطنية، ومنحها لوزارة المالية والإقتصاد الوطني لإدارتها.
يحقق التأميم في بدايته التفاف الطبقات الفقيرة والكادحين، حول النظام السياسي الجديد، فيمنحه بعدا شعبيا وجماهيريا، ولكنه سرعان ما يتلاشى تاركا آثارا كارسية على الإقتصاد والأموال، وعلى سمعة البلاد، من وجهة نظر المستثمرين الوطنيين والأجانب.
هذا النهج الذي ظهر في السودان مع تولي الرئيس النميري للحكم، سبقه به الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ذلك حين أصدر قراراته الخطيرة، بتأميم قناة السويس، فاندلعت حرب بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من جهة، ضد مصر، وكانت نتيجة مباشرة لذلك القرار الصادر من حكومة جمال عبد الناصر ..
حاول النميري تطبيق ذات النهج، فهربت الشركات الأجنبية، وتمكنت من إخفاء العملات الأجنبية والذهب، وتحويلها إلى الخارج، ومن لم يستطع الهرب من قرارات التأميم، لجأ إلى المحاكم البريطانية، والمحاكم الدولية، مطالبا بأمواله التي صادرتها حكومة السودان برئاسة النميري، وتفاديا لعقوبات دولية، بعد أن صدرت أوامر قضائية في الخارج ضد حكومة السودان، وتجنبا لتبعات تلك الأوامر، أضطر نظام الرئيس نميري بعد سبع سنوات، لدفع تعويضات للمتضررين من التأميم، ذلك في مطلع العام 1978م.
ولكن بعدما فات الأوان، حيث استلم النميري السلطة والجنيه الواحد بثلاثة دولار أمريكي، و 2.87 جنيه استرليني. تلك التعويضات التي تم دفعها لمن صادرت الحكومة السودانية أموالهم، كانت بداية التدهور الفعلي للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، حيث كانت مثل السراب، كلما اشترت حكومة النميري من العملات الأجنبية لدفع تعويضات مستحقة ، تفاقم الوضع بشكل متسارع لقيمة الجنيه السوداني وازدادت الظروف الإقتصادية سوء على سوء، حتى انتهى به المطاف بثورة إبريل 1985م.
(٣)
هل انتهى التأميم بسقوط مايو؟!
مع أن حكومة السودان برئاسة المرحوم الصادق المهدي 1986م 1989م، قد وصفت التأميم بالسياسة الخاطئة لنظام مايو برئاسة النميري ، إلا أنها لم تتعظ بما حل بالإقتصاد من جراء كارسة التأميم !!
فأقدمت على محاربة من تبقى من رجال أعمال، تحت ذريعة أنهم كانوا سدنة لنظام مايو ، ومع أن القوى السياسية المشكلة من تحالف جبهة الهيئات، والأحزاب السياسية والنقابات التي حاربها النميري بعد أن ترك المعسكر الشرقي الاشتراكي واتجه نحو المعسكر الرأسمالي الغربي.
تلك القوى السياسية طالبت الحكومة الإنتقالية، بإجراء مصادرات فورية ومراجعات لما سمتها بالأموال المنهوبة ! وضغطت من أجل حل جهاز الأمن، والسيطرة على الملفات التي بحوزة الأمن الإقتصادي. لكن الرئيس الإنتقالي المشير سوار الذهب، قد حال دون تطبيق كامل حزمة مطالب القوى السياسية، ما عدا حل جهاز الأمن والمخابرات. ودعى في خطاب له موجه إلى الأمة السودانية، دعاهم إلى تأجيل كل الخطط السياسية إلى حين انتخاب حكومة جديدة، وتشكيل برلمان منتخب.
إلا أن الضغوط على الحكومة المنتخبة حديثا، من أجل كنس آثار نظام مايو، قد تواصلت، ومع أن نظام النميري قد سقط قبل عامين، وتم حله وحل جهاز أمنه الإقتصادي، فهل ترى تبقى من نظامه سوى رجال الأعمال الكبار ؟!
تلك التوجهات التي كانت تركز على معالجة تركات نظام مايو أكثر من التركيز نحو المستقبل، أفقدت النظام الديموقراطي حديث التشكل، أي دعم دولي أو استثمار أجنبي، حتى سقط النظام المنتخب بانقلاب الإنقاذ العسكري على حكومة الأحزاب سنة 1989م.
ففي أيامها الأولى أصدرت قرارات ضد التجار ورجال المال والأعمال، تهم خطيرة وجهتها الإنقاذ لمن بيده قليل من العملات الأجنبية.
أوردت الأخبار إعدام قبطي في ضاحية الخرطوم جنوب، وليس بجناية سوى وجود بعض الدولارات في يده.!؟؟
فما الرسالة التي يقدمها النظام الجديد لمستثمر ورجل أعمال سوداني أو أجنبي يبحث عن فرص استثمارية في السودان؟!
كم كان النظام السياسي الجديد أشد تطرفا في هذا المجال من نظام مايو نفسه !!!
إنهم لم يسموا سياساتهم بالتأميم، ولكنها في واقع الحال، كانت أشد قساوة من التأميم نفسه….
خلال الأعوام العشر الأوائل من عمر الإنقاذ استبدلت الجنيه بالدينار، دون مبرر إقتصادي، طغت الدوافع الأيدولوجية والتوجهات السياسية على الدواعي الإقتصادية والنقدية، فلم يؤدى تغيير الجنيه بالدينار، إلا إلى المزيد من التدهور والتراجع في قيمته.
واستقدمت الشيخ أسامة بن لادن مستثمرا مساندا لها، وآخرين من دول الخليج جاؤوا بأموالهم ولكنهم خرجوا بعد حين من السودان، يلعنون اليوم الذي دخلوا فيه، ولا أدل من ذلك تصريحات الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز الذي يمثل نموذجا للإستثمار الدولي ذو النفوذ الملكي الكبير …
فإذا كان بن لادن قد أخرج بواسطة النظام الذي استقدمه، فإن الآخرين قد قضى التضخم والفساد على ما جاؤوا به من إستثمارات…
(٤)
عادت حليمة لعادتها القديمة!؛
بعد سقوط نظام الإنقاذ في 2019م.
قاد التحالف السياسي الجديد المعروف بقوى إعلان الحرية والتغيير، حملة لمصادرة الأموال والشركات المملوكة لرجال أعمال سوادنيين وأجانب.
منظمة الدعوة الاسلامية، ومجموعة دان فوديو، وشركات صينية وتركية، بما في ذلك شركات يملكها الشيخ سلمان الراجحي وآخرين، وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة، في مواجهة مصير مظلم ؟!
مراجعات الأموال المنهوبة، حسب زعم التحالف السياسي الجديد، لم تستثني سوى الأموال والشركات الأجنبية والوطنية التي يحميها الجيش او الدعم السريع بقوة السلاح…!!!
إن لم تكن تحت مظلة القوى العسكرية، فأنت عرضة للمصادرة والتحقيق والتفتيش والتعرض للمواطنين الغاضبين على النظام السابق، والتشهير في وسائل الإعلام …
ومع أن لجنة إزالة التمكين قد مارست أشد أنواع التنكيل والتشهير برجال الأعمال الكبار الذين لديهم بالطبع علاقات مميزة مع نظام الإنقاذ، استثنت تماما آخرين من رجال أعمال أثروا ثراء كبيرا في حقبة نظام الإنقاذ نفسه !!!
وكان أصحاب تلك الشركات التي لم تطالها لجنة إزالة التمكين، ليس فقط من ذوي العلاقة بنظام الإنقاذ، بل قادة كبار في النظام نفسه !!!.
والمحصلة التي واجهت حكومة الفترة الإنتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، هي تدهور سعر صرف الجنيه السوداني من 68 جنيه لكل دولار، إلى 400 جنيه لكل دولار، في أقل من عام ونصف العام.!!!
فمن ذا الذي يأتي ليستثمر أمواله، في بلاد تطارد ابنائها المستثمرين؟!!
(٥)
إجراءات تصحيحية أم تحالف عسكري؟!
في 25 أكتوبر 2021م. أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة متحالفة مع قيادة قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية جوبا، حل الحكومة الإنتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، وفي بيان الإنقلاب أكدت على سعيها لمعالجة الإنحراف عن مسار ثورة ديسمبر، وتصديها للتدهور الإقتصادي والتضخم…
لكن لم يمضي عام واحد حتى ذهبت تلك القرارات التي تضمنها بيان الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أدراج الرياح.
تدهور سعر صرف الجنيه السوداني من 400 جنيه لكل دولار الى 1,500 جنيه.
وبعد سنة أخرى من الصراع السياسي بين مكونات قوى الحرية والتغيير متحالفة مع الدعم السريع من جهة والحركات المسلحة متحالفة مع الجيش من جهة اخرى ، وحيث تمكنت الحركات من الحصول على حصة كبيرة من الإقتصاد والنفوذ بموجب اتفاقية جوبا، اندلعت الحرب في إبريل 2023م.
فكانت قاصمة الظهر ، حيث وصل سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، إلى أرقام قياسية بدأت في ابريل 2023م. ب 2,000 جنيه مقابل دولا واحد، ووصلت اليوم الى نحو 5,000 وزيادة.
(٦)
البنك المركزي يجب أن يتبع لوزير المالية والإقتصاد
يتميز إقتصاد العالم باستخدام أفضل التجارب، وتطبيق النظريات الإقتصادية الحديثة، تلك النظريات العلمية في مجالات الإقتصاد والتجارة. ومنها أن يتولى الأمر رئيسا للقطاع الاقتصادي والمالي وزير المالية والإقتصاد في الحكومة.
فيعين محافظ البنك المركزي، ليحاسب الوزير عن الإخفاق، ويكافأ على الإنجاز، ولنا في الانجليز عبرة لنعتبر، فقد عين وزير المالية والإقتصاد البريطاني جورج اورزبون في عام 2012م عين الكندي مارك كارني (Mark Carney) محافظًا لبنك إنجلترا المركزي، وكان أول أجنبي يتولى هذا المنصب، منذ تأسيس البنك المركزي البريطاني سنة 1694.
تم منحه مرتب مضاعف، واعتبرته الحكومة البريطانية منقذ لاقتصاد كندا من الأزمة المالية العالمية 2008م.
فاستقدمته بعقد مميز ليساعدها في التعافي من تبعات الأزمة، ومن التحول نحو الاستقلال عن الإتحاد الأوروبي. فحقق تلك الأهداف بعد ثمانية أعوام. عاد مرة اخرى الى كندا رئيسا للوزراء خلفا لجاستين ترودو ولا يزال يقود الحكومة الكندية اليوم …
فلا بأس عندي من أن يتم استقدام خبير أجنبي لقيادة بنك السودان المركزي إذا استدعى الأمر …
وبما أن المدرب الأجنبي قد يقود فريق كرة القدم الوطنية، ويحقق النتائج الملموسة أكثر من المدرب الوطني في كثير من الأحيان، فلماذا لا نستعين بخبير في المجال الإقتصادي، إن تعثر الأمر، وعجز الخبراء الوطنيون عن معالجة الأزمات الإقتصادية؟!
كما أن الحاجة إليه في السودان أكبر بكثير من حاجة بريطانيا الى محافظ سابق لبنك كندا المركزي؟!
(٧)
*كيف المخرج؟!*
ما من طريقة إلى إعادة الأمور الى نصابها، إلا بتخلي النخبة السياسية عن إرثها البائس، والتفكير بفهم متجدد نحو المستقبل..
إن دعوتي لكل أبناء جيلي ومن هم أصغر منا في العمر لقراءة مقالاتي هذه، دافعها الإعتبار بما حققته تجارب القادة العسكريين والمدنيين على السواء، من مشقة للشعب السوداني. وما تسببت فيه من إهدار لكرامته ومقدراته وموارده.
منذ مايو 1969م. وإلي الإنقاذ 1989م و ديسمبر 2019م حتى حرب ابريل 2023م. ثلاثة تجارب انقلابية عسكرية، وثورات شعبية، وفترات انتقالية مدنية.
محصلتها اليوم تدهور سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية إلى مستويات قياسية، وتراجع في قيمة الجواز السوداني والعلامة المميزة للشعب السوداني في الداخل والخارج.
ومع أن النيل ما يزال يجري، والسودان بخيراته وثرواته الطبيعية، ما يزال يإمكانه النهوض الإقتصادي والإجتماعي خلال الأعوام القليلة المقبلة. إن أحسنا إدارته، وصوبنا الجهود نحو البناء الذاتي لبلدنا. وتركنا جانبا كل المراجعات والنظريات البالية التي جربوها في هذا البلد، ونظرنا إلى الماضي فقط من باب الإعتبار لتجنب الوقوع في تلك الأخطاء التي بينتها آنفا.
والله المستعان
محمد آدم(أبومغفرة)



