(1)
… أبلغ ماتبوح به الانهار تحدثها بنعمة ربها خضرة وارواء وحياة وجمال.. تبسط اكف الرحمة على خرائط الدنيا متحالفة مع الغيوم والغابات والمطر حفية بالنجوم وعاشقة للضفاف والقمر ، وفى فيضها وانحسارها تأتى بالاسرار وقصص العشق القديم…قالوا عن الانهار انها سليلة الفراديس، وهى عند جلال الدين الرومى رمز للسعى الروحى والاندماج المطلق ، و الروح البشرية عنده نهر خفى يتدفق داخل الانسان ومصدره الاساسي الخالق اذ يقول ” فى داخلك نهر سرى كلما ظننت انه قد جف فاض من دمعة او تنهيدة او من صلاة خرجت من قلب مكسور، ذلك النهر لاينقطع لأن منبعه ليس منك بل من الله “.. وتعكس الانهار عنده فى جريانها رحلة البحث عن الحقيقة وفى تدفقها التلقائى دعوة للقبول بارادة الخالق وفى تجدد مياهها دعوة للتخلص من ذكريات الماضى السيئة….وقد سأل شوقى النيل متعجباً كم لك من الزمان ” ومن اى عهد فى القرى تتدفق وبأى كف فى المدائن تغدق.. ومن السماء نزلت ام فجرت من عليا الجنان جداولاً تترقرق ” .. ووقف التيجانى يوسف بشير ” فى محراب النيل ” متبتلاً “…حضنتك الاملاك فى جنة الخلد ورفت على وضئ عبابك …وامدت عليك اجنحة خضرا واضفت ثيابها فى رحابك …فتحدرت فى الزمان وافرغت على الشرق جنة من رضابك ..”….اما الفيتورى فان انهار افريقيا تجرى فى داخله توقاً للحرية ..يقول
” …فى عظامى تمخر امواج وسحب وانهار ” ولعل فى ذلك مايشبه اشارة المؤرخين للمسيسبى، وهو اسم مشتق من لغة للهنود الحمر الاصليين ،
بانه رمز للتحرر حيث هرب عبره السكان المستعبدين بحثاً عن الحرية ، وقد وصفه الكاتب الامريكى مارك توين بانه النهر العنيد الذى لايمكن ترويضه ..اما بابلونيرودا فقد افتتن بدوره بنهر الامازون فانشد ..” ..يامركز المقاطع المائية..ياابانا البطريركى ..انت الابدية السرية لكل بذور الحياة..تتدفق الانهار نحوك كالطيور ..تزاوجك مدقات الزهور بلون النار..جذوع الاشجار الميتة تمنحك عطرها..ولايستطيع القمر ان يحرسك اويقيس اتساعك..”.. وقال المستكشفون انه ” رئة الكوكب “.. وتتولى ادارة النظام البيئى لحوض الامازون بغاباته المطيرة البرازيل وفنزويلا وبيرو والاكوادور وغيانا وكولومبيا وبوليفيا و سورينام و’ غيانا الفرنسية ‘ ،
وقد غنت اوروبا على ليلاها ايضا ، فقيل ان نهر السين هو المكان الذى تلتقى فيه همسات المحبين ، بينما يعكس نهر الراين تاريخا من الاساطير والحكايات الشعبية ويشكل الدانوب ،اطول انهار اوروبا و بتدفقه الصامت ، شكلا موحداً للقارة الاوربية… وتعكس العديد من الانهار الاسيوية اساس حضاراتها و حياتها الاقتصادية والتطورات السياسية للعديد من بلدانها ،
كدجلة والفرات وحضارة الرافدين فى غرب آسيا واليانغستى والنهر الاصفر فى الصين والقانج والسند فى الهند والميكونق الذى يتدفق عبر الصين وماينمار وتايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام…
ليس هنالك من رسالة تحض على التعاون بين الامم اكثر من جريان الانهار المشتركة عابرة الحدود فيها ، وربما ادرك المتنبئ منذ وقت مبكر ان السباحة تكون كثيرا عكس التيار على عكس مايؤمل و انه كلما انبت الزمان قناة ركبت خلافات السياسة والمصالح فى القناة سناناً ، و قد ابرز صعود موضوعات دبلوماسية المياة والامن المائى لصدارة الاجندة الدولية الاهمية المتزايدة لهذه القضايا التى ضاعف من الاهتمام بها التغيرات المناخية والزيادات السكانية بل وسعى بعض الدول لدخول باب التاريخ من جديد عن طريق الخروج من باب الجغرافيا عبر محاولات بعض الدول الحبيسة الحصول عنوة على منافذ بحرية ، ولاادرى ان كان ذلك سوف يلغى ام يعزز حكمة الفيلسوف اليونانى هيراقليطس بانه لايمكنك عبور النهر مرتين ، ام انه يزيد من جمال عيون نساء المدن الساحلية التى افتتن بها الشعراء….
(2)
على الرغم من ان مسألة ” مضيق هرمز ” قد قفزت الى الصدارة وانشغل العالم بتطوراتها الا ان الخلاف المائى بين باكستان والهند تسلل مرة اخرى الى دائرة الاهتمام عقب تأكيدات الهند بأن تعليق العمل بمعاهدة تقسيم مياة نهر السند مع باكستان سوف يستمر ، وهو ما ادى لانزعاج اسلام اباد التى نظمت سمنارا دوليا اواخر يونيو المنصرم رغم انشغالها بمفاوضات ايران والولايات المتحدة بعنوان ” معاهدة مياة السند معول اساسى لسلام واستقرار الاقليم ” وهى الاتفاقية التى تم التوصل اليها عام ١٩٦٠ بين البلدين بمعاونة البنك الدولى
لتنظيم استخدام المياة المتدفقة من انهار تنبع فى الهند وتصب فى باكستان ضمن حوض نهر السند فيستفيد منها الملايين فى باكستان بمافى ذلك اقليم البنجاب سلة الغذاء فيها ، وكانت الهند قد علقت العمل بالاتفاقية فى اعقاب حادثة هجوم بالشطر الهندى فى كشمير اودى بحياة ٢٦ من السياح الى جانب اجراءات عقابية اخرى، وفى السمنار المذكور قالت باكستان ان الاجراء الهندى انتهاك للقانون الدولى وتهديد لامن واستقرار المنطقة وافتوا بعدم قانونيته اذ لاتوجد آلية للانسحاب الآحادى فى المعاهدة، وقد اقترحوا انشاء ميثاق عالمى ضد عسكرة الانهار و المجارى المائية ليشمل ايضا كما اشاروا مضيق هرمز وقناة السويس وقناة بنما ونهر النيل ودجلة والفرات ..
اما مضيق هرمز فانه وطبقا لاتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار يعد كممر مائى دولى يخضع لنظام ” المرور العابر”.. ويرى المراقبون ان ايران نجحت فى تحقيق مكاسب هامة تشمل جعله ورقة مساومة سياسية وتثبيت عدم امكان تجاوزها فى مسائل امن المنطقة وقواعد المرور ، وابرزت التجربة امكانات طهران فى التاثير على المرور الآمن وان ودورها المستقبلى لايزال مطروحا…
منذ زمان غابر عرف العالم فكرة الانهار الدولية، وبين اعوام ١٨٢٠ /٢٠٠٧ جرى توقيع ٤٥٠ اتفاقية شملت ١٤٥ دولة فى العالم منها ١٥٠ معاهدة خلال الخمسين عاما الاخيرة وقد قدر عدد الانهار الرئيسية بين ١٦٥ الى ١٧٠ نهراً تصنف ١٤ منها كانهار عظمى يتصدرها النيل بطول ٦٦٥٠ كيلومتر والامازون ٦٤٠٠ واليانغستى ٦٣٠٠ كيلومتر ، وتشكل اتفاقية الامم المتحدة للمجارى المائية الدولية لعام ١٩٩٧
اهم الاطارات القانونية للاغراض غير الملاحية كالشرب والرى والصناعة والاطار القانونى الدولى العام لادارة الانهار العابرة للحدود وتقاسم المياة العادلة بين دول المنبع والمصب ،وترتكز على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول والالتزام بعدم احداث ضرر ذ ى شأن والالتزام كذلك بالتبادل المنتظم للبيانات والمعلومات بين دول الحوض علاوة على اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام ١٩٨٢، التى توفر
الاطار القانونى المتكامل لاستخدام مياة البحار والمحيطات وضمان حقوقها فى الملاحة وحماية الموارد وتكنى بدستور المحيطات وتحدد حقوق الدول فى المياة الاقليمية والاقتصادية…ان دبلوماسية الانهار والمجارى المائية والامن المائى يتوقع ان تتضاعف اهميتها لا لملء فراغات فى الانظمة القانونية السائدة فحسب بل لافتقار غالبية الاحواض لترتيبات فعالة فيما يزداد الطلب على استخدامات المياة المختلفة…نأمل ان تهتم جامعاتنا ومراكزنا البحثية بقضايا المياة وان تدعم تلك الدراسات والابحاث وفود التفاوض وخاصة مفاوضات سد النهضة وحسم التباينات التى ظلت تعكسها الجولات المختلفة بما يعزز مصالح السودان ،ومواقفه الداعية لأن يكون النهر اداة للتعاون وليس ساحة للصراع…. امنحوا النيل اجمل مالديكم.




