*بطاقة حمراء لوزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة.. 3-3 الاتحاد العام لكرة القدم.. آن أوان الرحيل!.. وائل عبدالخالق مالك*

لنكن صريحين تمامًا مع أنفسنا فالمجاملة لم تعد تجدي. لا يمكن أن نبني كرة قدم سودانية عصرية تليق بطموحات شعب كامل بهيكل إداري متهالك يتصارع أفراده على السلطة أكثر بكثير مما يخططون للمستقبل. المشهد الأخير وحده كاف للحكم النهائي حيث خلاف داخل مجلس إدارة الاتحاد حول ملف الهبوط والصعود تحول من قضية تنافسية بحتة إلى صراع نفوذ معلن بين رئيس لجنة المسابقات من جهة وأحد أبرز نواب رئيس الاتحاد من جهة أخرى وكل طرف يحشد تحالفاته الإدارية الخاصة. وفي موازاة ذلك تنعقد جلسات استماع أمام المحكمة الرياضية الدولية في قضايا تهدد بإسقاط شرعية الانتخابات التي جاءت بمجلس الإدارة الحالي نفسه. وفوق كل هذا عقوبة قاسية من الفيفا بحق أحد أبرز قياداته لاعتدائه الموثّق على حكم دولي أثناء تصفيات مؤهلة لكأس العالم. هذه ليست أزمة عابرة ولا سوء تفاهم إداري وإنما هذه أعراض واضحة لمؤسسة استنفدت صلاحيتها الأخلاقية والإدارية معًا.

كرة القدم الحديثة في كل مكان من العالم يحترم هذه الرياضة أصبحت عِلم قائم بذاته يتسم بالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى وتحليل بيانات دقيق للأداء الفني والبدني وأكاديميات ناشئين ممنهجة تبدأ من عمر مبكر جدًا وحوكمة مالية شفافة تخضع للمراجعة والمحاسبة وعلاقات احترافية مستقرة مع الفيفا والكاف بعيدًا عن دوامة الشكاوى والعقوبات. وما نراه بدلًا من كل ذلك في واقعنا السوداني هو اتحاد يدار بمنطق الغرف المغلقة والصفقات الشخصية حيث تتقاطع الملفات القانونية المعقدة مع حسابات النفوذ الفردي وحيث يتم دفع ثمن هذه الفوضى الإدارية المتراكمة من رصيد المنتخب الوطني وسمعته أمام الاتحادات الشقيقة والعالم بأسره.

لهذا أقول بوضوح لا لبس فيه إن مصلحة الكرة السودانية العليا تقتضي اليوم أن يذهب هذا الاتحاد بكامل هيكله وأفراده وتركيبته الحالية لا كعقاب انتقامي لأشخاص بعينهم بل كخطوة تأسيسية ضرورية لا مفر منها نحو مرحلة جديدة تمامًا. ذهابه ليس هدفًا في ذاته ولا غاية نهائية بل هو بوابة إلزامية لا بد من عبورها لإعادة البناء بمعايير مختلفة جذريًا عما عرفناه طوال العقود الماضية حيث نحتاج أولًا لاتحاد جديد تحكم عملية اختيار قياداته وانتخاباته بمعايير كفاءة وسجل مهني نظيف لا بموازين نفوذ الأندية الكبرى وتحالفاتها التقليدية. ثانيًا مجلس إدارة يضم إلى جانب أهل الخبرة الكروية كفاءات إدارية ومالية وقانونية حقيقية قادرة على إدارة مؤسسة بحجم ميزانيات وممتلكات ومسؤوليات دولية. ثالثًا خطة استراتيجية معلنة للرأي العام بمؤشرات واضحة قابلة للقياس والمتابعة السنوية من تطوير كوادر التحكيم المحلي إلى بناء شبكة أكاديميات ناشئين حقيقية في كل الولايات إلى تأهيل جيل جديد من المدربين المحليين بشهادات معتمدة دوليًا. رابعًا نحتاج إلي آلية تمويل شفافة للأندية ترتبط بالانضباط المالي والإداري الفعلي لا بالعلاقات الشخصية والمحسوبية. خامسًا علاقة احترافية صارمة ومنضبطة مع الفيفا والكاف تنهي نهائيًا دوامة العقوبات والشكاوى المتكررة التي تستنزف فيها طاقة كرتنا الوطنية في أروقة المحاكم الرياضية بدل أن تستثمر في الملاعب والمعسكرات التدريبية.

الشعب السوداني رغم كل ما يمر به اليوم من حرب طاحنة ونزوح جماعي وانهيار اقتصادي غير مسبوق ما زال يملك طاقة هائلة من الشغف والموهبة الفطرية والانتماء العميق لهذه اللعبة. هذه الطاقة النادرة تستحق مؤسسة تليق بحجمها وقيمتها لا مؤسسة تستهلكها وتبددها في صراعات جانبية لا طائل من ورائها. كرة القدم قادرة إذا أُحسنت إدارتها أن تكون مشروع وطني جامع في زمن الانقسام وجسر يعيد بناء الثقة بين السودانيين قبل أن يعيد بناء مكانتنا القارية والعالمية. ولكن ذلك كله يبدأ بجرأة القرار حول تغيير حقيقي وجذري في البنية لا ترميم مؤقت لواجهة متصدعة.

هل تعتقدون أن هذا التغيير ممكن فعلًا في ظل الظروف الراهنة أم أن دوامة المصالح المتشابكة ستعيد إنتاج نفس الوجوه بأسماء وواجهات جديدة؟ الكلمة لكم والنقاش مفتوح كما يليق بقضية تخص كل سوداني يحلم بمستقبل أفضل لكرتنا.

بطاقة حمراء لوزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة.. 3-3الاتحاد العام لكرة القدم.. آن أوان الرحيل!..

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole