*رسائل إلى السودان* _*ها هو الخريف يعود مرةً أخرى أميمة عبد الله*

إن أكثر ما يحزن الهابطين عبر مطار الخرطوم في رحلاته الأولى، قحطها البائن والطائرة على هبوط، ليست المباني المهدمة ولا الشوارع الخالية من الناس، بل الأشجار والجفاف، وكأن الخرطوم بقعة أنهكها القيظ وسط صحراءٍ جافة.
عندما تهبط تكتشف ليست الأرض وحدها، حتى الناس غلبت على ملامحها الأحزان، وكأن الحرب أخذت من أرواحنا أكثر مما أخذت من البيوت، وكأن الخوف صار جزءا من التفاصيل.
لكن الآن عاد الناس وانتظمت لأكثر من عامين رحلات العودة الجماعية للخرطوم والولايات الأخرى، واليوم يعود الخريف، عادت الغيوم إلى سماء الخرطوم وعادت مياه الامطار لتسقي شوارعها وتروي عطش أرضها. فاحت رائحة التراب.
المطر يقول:
لا شيء يبقى على حاله.
الأرض لا تستسلم للجفاف، كذلك نحن السودانيون لا يجب أن نستسلم للأحزان والتحديات، ولا يجب أن يغلبنا البؤس.
لقد اعتدنا نحن السودانيون أن نؤرخ لأفراحنا بالمواسم، حتى تواريخ ميلادنا أحيانا نربطها بالأحداث الكبيرة، لكن الآن لدينا تاريخٌ واحد فاصل، قبل الحرب وبعدها.
لنبدأ ثقتنا في أنفسنا مع المطر والخريف وهذه الغيوم، لنتحلل من أحزاننا وبؤسنا ونضرب عهدا من جديد مع حياتنا.
لنتغير، لنبدأ من الآن، لنخلق لأنفسنا عملا وحلم.
نهضة الأوطان تبدأ من لحظة صغيرة، من شاب يقرر أن يبدأ مشروعا مهما كان بسيطا، من طبيب يعود إلى عمله، من جار يسلم على جاره، من دكان جديد يفتح عند ناصية الشارع، من مدرسة وروضة وبيت عاد إليه أهله.
من كلمة طيبة تُقال في وقتٍ يحتاج فيه الناس إلى من يذكرهم بأن المستقبل لم يُغلق بعد.
هل ننتظر الأخرون ليصنعوا لنا الأمل؟
لا، لنكن نحن الأمل.
لنكن جزءاً منه
فكل عمل مخلص، وكل فكرة نافعة، وكل مبادرة صغيرة، هي حجر جديد في بناء الوطن.
لكل واحد منا دور، لسنا جميعا أصحاب قرار، كما أننا لا نملك سلطة، لكننا نملك شيئا لا يقل قيمة:
ان نفكر، ان نتحاور، أن نعمل.
دورنا ليس صغيرا طالما أننا نملك إرادة الحياة والعمل.
لن يصنع نهضة السودان شخصٌ واحد، ولن تحققها جهةً واحدة، كل بيت، كل مدرسة، كل فكرة صادقة، هي عودة للسودان.

لعل مطر اليوم وبداية الخريف، تحمل لنا رسالة بشرى:
أن الأشجار ستعود للخرطوم لو بدأنا الغرس، الشوارع تعود بهجتها بالأشجار، والحياة تعود بالناس، لأن الناس هم نفوس الديار.
لنمنح أنفسنا فرصةً أخرى، فرصة جديدة مع بداية الخريف.

*أميمة عبدالله*

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole