*الصادق المهدي.. في وسع الكاريزما وضيق الواقع*

فرح الناس بالصادق المهدي، وكنت من جملة الفرحين. قلنا إذا كان الأمر أمر تعليم، فهذا رجل تعلم في جامعة أكسفورد. وما أدراك ما جامعة أكسفورد. وإذا كان المطلوب هو التجربة والخبرة، فهذا رجل أتته رئاسة الوزارة منقادة إليه تجرجر أذيالها وهو لما يتجاوز الثلاثين. وإذا كان المعول على العصبية كما وصفها ابن خلدون، فهذا رجل سليل أئمة ووريث حكم أضف إلى ذلك بسطة في العقل والجسم، وطلاقة في اللسان ونصاعة في البيان. وهو بعد مهذب كريم «أخو إخوان» مثل سائر السودانيين.
​في تلك الأيام كنت أزور السودان، فأصر رجل محب للصادق المهدي أن يجمعني به، قلت له: «يا أخي ما لي ولهؤلاء الحكام؟ إنهم في واد وأنا في واد».
​اتفقنا أن نصلي معه صلاة المغرب في داره في أم درمان، قبالة دار الإذاعة. ولما وصلنا، وجدنا أنه قد اتصل بالتلفون من مقر رئاسة الوزارة، واعتذر بأنه سوف يتأخر، لأن المجلس كان مجتمعاً ذلك المساء في أمر هام.
​وجدت داراً بسيطة كدور كثيرين من الميسورين في أم درمان، لم يكن فيها أي مظهر للبذخ أو الترف، كانت داراً واسعة، عامرة ومأهولة. وقد لاحظت وأنا أتوضأ أن حنفية الماء مكسورة. فقلت لزوجة رئيس الوزراء المعهودة:
«حتى أنتم حنفية مائكم مكسورة؟».
فأضحكها ذلك.
​صلينا صلاة المغرب، أنا وصاحبي، وكانت تلك أول مرة أصلي فيها في دار رئيس وزراء.
​جاءت لنا زوجته «ساره»، وهي سيدة ذكية لطيفة، «بالشاي والكيك». وجاءت ابنته وسلمت علينا. ثم لم يلبث أن لحق بنا السيد رئيس الوزراء.
​لقد عرفته في لندن حين كان طالباً في جامعة أكسفورد. كان تلك الأيام مثل كاسيوس كما وصفه شيكسبير في مسرحية «يوليوس قيصر». ثم عملت معه فترة وجيزة عام ١٩٦٦ حين كان رئيساً للوزراء ووزيراً للإعلام وهو لما يتجاوز الثلاثين. ثم ها هو الآن بعد نحو عشرين عاماً. هو هو، لم يتغير كثيراً. أدبه الجم نفسه ودمائته.
​رأيت وجه صاحبي يضيء بمحبة خالصة، وأنا كلما أرى وجوه المحبين أحس بالشفقة. في حجتنا تلك مع أحمد مختار أمبو، رأينا رجلاً في منى ينكب على يدي شيخ يقبلهما ويبكي، قلت للطاهر مختار:
«أرجو أن يكون هذا الشيخ أهلاً لمحبة هذا المريد».
​جلسنا نشرب الشاي ونأكل الكيك، وكان الصادق المهدي كعهده دائماً، مهذباً لطيفاً جم التواضع.
​قال لي صاحبي، الذي كان يستمع إلى كل كلمة يقولها الصادق المهدي، كأنه يشرب ماء سلسبيلاً في يوم قائظ: «انصح السيد رئيس الوزراء.»
​ضحكت، فقد تذكرت كيف أن الناس كانوا يقولون في مجالس خلفاء العباسيين «عظ أمير المؤمنين». ومن أنا حتى أنصح السيد رئيس الوزراء؟
​قلت لصاحبي:
«لا بد أن السيد رئيس الوزراء قد استمع إلى نصائح كثيرة من أناس كثيرين. ولا أظنه في حاجة إلى مزيد من النصح».
​ثم، كأنما عمداً، وجهت الحديث إلى الأشياء العملية الصغيرة، كما يفعل عامة الناس. وقد أحسست أن السيد رئيس الوزراء كان يؤثر أن يتحدث على مستوى أعلى. وأنا لا أبالي أن أخوض في غمار الفكر مع الخائضين، ولكنني كنت قد قضيت أياماً في السودان ورأيت طوابير البنزين والخبز، ولمست انقطاع الماء والكهرباء وعانيت من صعوبة المواصلات واستحالة السفر من مكان إلى مكان.
​وخرجنا من عنده، وكان صاحبي يهوم في سبحات من المحبة الخالصة. وأنا أيضاً كنت حسن الظن في الصادق المهدي، أؤمل فيه خيراً كثيراً. لكنني لم أقع أسير جاذبيته كما فعل صاحبي وقلت لنفسي:
«هذا رجل اجتمعت له كل مقومات الزعيم الكبير. ومع ذلك … مع ذلك … مضى رجال الأحزاب يخبطون خبط عشواء. وكأن انتفاضة رجب المباركة لم تحدث، وكأن ما كان طوال سبعة عشر عاماً لم يكن، وكأن الزمن رصيد لا ينفد يبددونه كيف شاءوا.»
​ثم، كما كان حتماً أن يحدث، استيقظوا ذات صباح، فإذا الجيش قد ربط خواصر الجسور وأغلق أفواه الطرق، وإذا الصحف معطلة، والبرلمان موصد، والأحزاب محظورة، وإذا هم داخل السجون.
​وهنا تنتهي قصة صاحبنا إبراهيم طه أيوب، التي بدأت معنا في دلهي عام ثمانين وتسعمائة وألف، فقد أحالوه إلى التقاعد، بين عشرات رأى العهد الجديد أن مصلحة الوطن تقتضي إحالتهم إلى التقاعد..
​إنني أتذكر الآن عبد الرحمن سوار الدهب، والناس مجتمعون عليه في خيمته في «منى». وأتذكر أحمد مختار أمبو ونحن في الحرم النبوي الشريف في صلاة العصر، وأتذكر الصادق المهدي، يتحدث حديثه المهذب في داره في أم درمان بعيد صلاة المغرب، وأتذكر فضيلو ضيوف رحمه الله، وعيناه تدمعان، وأنا أودعه إلى غير لقاء في الطائرة في جدة.
​أما صاحبنا الجديد في الخرطوم، فلا بد أنه هو أيضاً كريم مهذب أخو إخوان. لئن كان حقاً تقياً ورعاً كما يقال، فالبدار البدار..

#الطيب_صالح
#نحو_افق_بعيد
#قطر

مقالات ذات صلة