الخرطوم لا تحتاج إلى تغيير أسماء شوارعها فقط… بل إلى إعادة رسم ذاكرتها وهويتها
خطة وطنية متكاملة لتسمية شوارع العاصمة وترقيمها ورقمنتها وحفظ تاريخها
بقلم: د. سعاد فقيري
في خطوة تستحق التوقف عندها، بدأت اللجنة القومية للأسماء الجغرافية بوزارة البنى التحتية والنقل مراجعة عدد من أسماء شوارع العاصمة الخرطوم، مع اتجاه لوضع معايير جديدة للتسمية، تستند إلى الدلالات الوطنية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، وتتسق مع الموروث الثقافي السوداني. كما أشارت اللجنة إلى أن الحرب أدت إلى إزالة عدد من لافتات الشوارع، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيلها فرصة لإعادة بناء منظومة متكاملة للتسمية والتعريف بالمكان.
وهنا أرى أن المطلوب أكبر من مجرد استبدال اسم شارع باسم آخر.
فالخرطوم التي تخرج من الحرب لا ينبغي أن تعود إلى الخرطوم القديمة باللافتات القديمة فقط، وإنما يجب أن تستفيد من عملية إعادة الإعمار في بناء نظام حديث وموحد للعنونة والتسمية والترقيم والخرائط الرقمية.
أولاً: نحتاج إلى مشروع قومي بعنوان «خريطة الخرطوم الجديدة»
أقترح إنشاء مشروع رسمي:
المشروع القومي لتسمية وترقيم وعَنْوَنة شوارع الخرطوم
يعمل بالتنسيق بين:
اللجنة القومية للأسماء الجغرافية.
وزارة البنى التحتية والنقل.
ولاية الخرطوم ومحلياتها.
هيئة المساحة.
الجهات المسؤولة عن التخطيط العمراني.
الشرطة والمرور.
الاتصالات والتحول الرقمي.
الجامعات ومراكز البحوث.
المؤرخين والباحثين.
لجان الأحياء والمجتمع المدني.
والهدف ليس تسمية الشوارع فقط، وإنما إنتاج خريطة رسمية موحدة للخرطوم تكون مرجعاً للدولة والمواطن والخدمات والطوارئ والاستثمار.
ثانياً: وضع معايير وطنية واضحة لتسمية الشوارع
حتى لا تصبح عملية التسمية مرتبطة بالأمزجة أو التوجهات السياسية المتغيرة، يجب اعتماد معايير مكتوبة وشفافة.
ومن أهم هذه المعايير:
1. الرموز الوطنية الجامعة
تخصيص بعض الشوارع والشوارع الرئيسية لأسماء شخصيات أسهمت في بناء السودان واستقلاله ووحدته ومؤسساته.
2. الشخصيات التاريخية
تكريم الشخصيات التي تركت أثراً موثقاً في التاريخ السوداني.
3. العلماء والمفكرون والأدباء
بحيث لا تكون ذاكرة المدينة محصورة في السياسيين والعسكريين فقط.
4. النساء السودانيات الرائدات
وهذا ملف مهم للغاية.
فالمرأة السودانية كانت حاضرة في التعليم والصحة والسياسة والمجتمع والعمل الوطني، ويجب أن تنعكس هذه المشاركة في أسماء الأماكن العامة.
5. الأحداث والمحطات الوطنية
يمكن تسمية بعض الطرق والميادين بأحداث وطنية موثقة، بشرط أن تكون ذات دلالة جامعة وليست مثار انقسام مجتمعي.
6. الأسماء الجغرافية السودانية الأصيلة
إحياء أسماء المناطق والقرى والأنهار والجبال والأقاليم والمواقع التاريخية.
ثالثاً: لا نحذف التاريخ… بل نحفظه
وهنا نقطة شديدة الأهمية.
تغيير اسم شارع لا يعني محو الاسم القديم من الذاكرة.
لذلك أقترح أن تحتوي كل لافتة رئيسية على:
الاسم الحالي
الاسم التاريخي السابق
رمز QR
وعند مسح الرمز بالهاتف تظهر صفحة مختصرة توضح:
أصل الاسم.
سبب التسمية.
تاريخ المنطقة.
الأسماء السابقة للشارع.
أبرز الأحداث المرتبطة به.
وبذلك تصبح الخرطوم مدينة مفتوحة لتعليم التاريخ.
رابعاً: ترقيم جميع الشوارع والمباني
هذه من أهم النقاط التي يجب ألا تغيب عن المشروع.
لا يكفي أن نقول:
شارع كذا – الحي الفلاني.
بل يجب إنشاء نظام عنونة وطني موحد.
كل شارع يحصل على:
اسم + رقم/رمز جغرافي + نطاق بريدي + إحداثية رقمية.
وكل مبنى يحصل على رقم واضح.
وهذا يساعد في:
الإسعاف.
الشرطة.
الدفاع المدني.
خدمات البريد.
توصيل الطلبات.
الكهرباء والمياه.
تسجيل العقارات.
الخدمات الحكومية.
التخطيط العمراني.
الاستثمار.
الإحصاء السكاني.
خامساً: الخرطوم يجب أن تدخل عصر الخرائط الرقمية
هنا يمكن أن تتحول عملية تسمية الشوارع إلى مشروع للتحول الرقمي.
إنشاء:
المنصة الرقمية الرسمية لخريطة الخرطوم
تحتوي على:
جميع الشوارع.
أسماء الأحياء.
الميادين.
المؤسسات الحكومية.
المدارس.
المستشفيات.
مراكز الشرطة.
المساجد والكنائس.
الأسواق.
الكباري.
الطرق الرئيسية.
المعالم التاريخية.
المباني الحكومية.
مع تحديث مستمر للبيانات.
ويجب أن تكون الخريطة قابلة للربط مع تطبيقات الطوارئ والنقل والخدمات الحكومية.
سادساً: تقسيم شوارع الخرطوم إلى «محاور ذاكرة»
وهذه فكرة يمكن أن تعطي المشروع بعداً حضارياً مميزاً.
بدلاً من توزيع الأسماء بصورة عشوائية، يمكن تخصيص مناطق أو محاور تحمل موضوعات محددة.
مثلاً:
محور العلماء والمفكرين
أسماء العلماء والمفكرين السودانيين.
محور الأدباء والفنون
أسماء الشعراء والكتاب والفنانين.
محور المرأة السودانية
أسماء النساء الرائدات في تاريخ السودان.
محور الاستقلال
الشخصيات والأحداث المرتبطة بالحركة الوطنية والاستقلال.
محور الجغرافيا السودانية
أسماء الأنهار والجبال والمناطق التاريخية.
محور الوحدة الوطنية
أسماء ذات دلالة جامعة لمختلف أقاليم ومكونات السودان.
وهكذا تتحول المدينة نفسها إلى متحف مفتوح للتاريخ السوداني.
سابعاً: عدم التسرع في تغيير الأسماء
المراجعة مطلوبة، ولكن يجب أن تكون علمية وهادئة.
فالاسم القديم قد يكون له قيمة تاريخية حتى لو كان أجنبياً أو غير مألوف اليوم.
لذلك أقترح تصنيف الأسماء إلى أربع فئات:
الفئة الأولى: أسماء ذات قيمة تاريخية واضحة → تُحفظ.
الفئة الثانية: أسماء يمكن تطويرها أو اختصارها → تُراجع دون إلغاء الذاكرة التاريخية.
الفئة الثالثة: أسماء أجنبية أو غير واضحة المصدر → تُدرس وتُوثق قبل اتخاذ القرار.
الفئة الرابعة: أسماء لا تستوفي المعايير الوطنية أو القانونية المعتمدة → تُرفع توصية بشأنها وفق إجراءات واضحة.
وبذلك لا تتحول العملية إلى محو للتاريخ، وإنما إلى تنظيم للذاكرة الوطنية.
ثامناً: مشاركة أهل الخرطوم
قبل تغيير اسم شارع تاريخي، يجب فتح باب المشاركة المجتمعية.
يمكن إنشاء منصة إلكترونية بعنوان:
«اسم شارعك»
يستطيع المواطن من خلالها:
اقتراح اسم.
تقديم معلومات تاريخية.
الاعتراض على اسم مقترح.
تقديم وثائق.
اقتراح أسماء لشخصيات وطنية.
توثيق تاريخ الحي.
ثم تقوم اللجنة المختصة بالتحقق من المعلومات قبل اعتماد أي اسم.
تاسعاً: إنشاء «بنك أسماء السودان»
وأقترح إنشاء قاعدة بيانات وطنية تضم أسماء:
العلماء.
المعلمين.
الأطباء.
المهندسين.
الأدباء.
الفنانين.
الرياضيين.
الشخصيات الوطنية.
الشخصيات النسائية.
شهداء الواجب.
رواد التعليم.
رواد الإدارة والخدمة العامة.
الشخصيات التاريخية.
مع توثيق السيرة والمصادر.
وهكذا لا نصل في المستقبل إلى مرحلة السؤال:
«بماذا نسمي هذا الشارع؟»
لأن الدولة ستكون لديها قاعدة أسماء وطنية موثقة.
عاشراً: اللافتة الجديدة يجب أن تكون جزءاً من هوية الخرطوم
أقترح نموذجاً موحداً للافتات:
اسم الشارع
الرمز الجغرافي
اسم المحلية/الحي
رمز QR
مع استخدام العربية بصورة واضحة، ويمكن إضافة الإنجليزية عند الحاجة لخدمات الملاحة والتعاملات الدولية.
والأهم أن تكون اللافتات:
موحدة التصميم.
مقاومة للعوامل الجوية.
واضحة ليلاً.
سهلة القراءة.
مرتبطة بالخريطة الرقمية.
الحادي عشر: ربط المشروع بإعادة إعمار الخرطوم
وهذه ربما أهم نقطة.
إذا كانت الحرب قد أزالت عدداً من اللافتات، كما أشارت اللجنة، فإن إعادة تركيبها يجب ألا تكون مجرد استبدال للوحة مفقودة، بل فرصة لبناء منظومة جديدة بالكامل.
أي أن كل شارع يعاد تأهيله يجب أن يخضع في الوقت نفسه إلى:
تسمية + ترقيم + لوحة + خريطة رقمية + توثيق تاريخي.
وهكذا تصبح إعادة الإعمار فرصة لبناء مدينة أكثر تنظيماً.
الثاني عشر: الخرطوم ليست مجرد عاصمة… إنها ذاكرة السودان
الخرطوم تحمل في شوارعها وميادينها وبيوتها وجسورها طبقات متراكمة من تاريخ السودان.
ولذلك فإن مشروع الأسماء الجغرافية يجب ألا ينظر إلى الشارع باعتباره مجرد طريق تمر عليه السيارات.
الشارع وثيقة.
والاسم ذاكرة.
واللافتة جزء من هوية المدينة.
والخريطة سجل للدولة.
ومن هنا فإن إعادة تسمية شوارع الخرطوم يجب أن تتحول إلى مشروع وطني للتوثيق والهوية والتخطيط الحضري والتحول الرقمي.
وأقترح في ختام المقال:
رسالتي إلى اللجنة القومية للأسماء الجغرافية ووزارة البنى التحتية والنقل:
لا تجعلوا مشروعكم مجرد مشروع لتغيير أسماء.
اجعلوه مشروعاً لـ إعادة اكتشاف الخرطوم.
اجمعوا المؤرخين والمخططين والمهندسين والجغرافيين والمؤسسات الحكومية والجامعات وأهل الأحياء، وأنشئوا أول سجل وطني رقمي متكامل لأسماء وعناوين ومعالم العاصمة.
فالسودان الذي يعيد بناء مؤسساته ومدنه بعد الحرب، يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء ذاكرته المكانية.
نريد خرطوماً جديدة… لا تمحو الخرطوم القديمة، وإنما تحفظ تاريخها، وتنظم حاضرها، وتؤسس لمستقبلها.
فالمدينة التي تعرف أسماء شوارعها، تعرف تاريخها؛ والمدينة التي توثق تاريخها، تعرف إلى أين تتجه.


