*القيادة في زمن العواصف… عندما لا يحجب دخان الحرب شمس الأمل بقلم: د. سعاد فقيري*

 

في الأوقات العصيبة تُختبر الدول والقيادات، ليس فقط في ميادين المعارك، وإنما في قدرتها على أن ترى الإنسان خلف كل الأزمات، وأن تظل عيونها مفتوحة على المستقبل رغم كثافة دخان الحاضر.
والسودان اليوم يعيش واحدة من أقسى مراحله؛ حربٌ أرهقت البلاد، وشعبٌ تحمل فوق طاقته، ومدنٌ نزحت منها الأسر، ومدارس توقفت، وأحلام كثيرة اضطرت إلى أن تبحث عن طريقها وسط الركام.
لكن وسط كل هذه العواصف، تظل هناك لحظات تقول لنا إن السودان لم يمت، وإن الأمل لا يزال حيًا.
ومن هذه اللحظات تكريم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للطالبة تقى النور محمد النور، عقب حصولها على المركز الأول في امتحانات الشهادة السودانية، في مشهد يحمل رسالة تتجاوز شخص الطالبة إلى كل طالب وطالبة في السودان.
إن تكريم المتفوقين في زمن الحرب ليس مجرد احتفال بالنجاح، ولا مناسبة بروتوكولية عابرة؛ بل هو إعلان بأن الدولة، مهما اشتدت عليها الظروف، لا تنسى أبناءها، ولا تتخلى عن التعليم، ولا تسمح للحرب بأن تسرق من الأجيال حقها في الحلم.
يا سيادة الرئيس… السودان لا يحتاج إلى البنادق وحدها
الدول لا تنتصر بالسلاح وحده.
نعم، حماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه مسؤولية أساسية، لكن المعركة الأكبر على المدى البعيد هي معركة العقل والعلم والمعرفة.
فالطالب الذي يجلس اليوم أمام كتابه في ظروف الحرب، ويواصل دراسته رغم النزوح والقلق وانقطاع الخدمات، هو في الحقيقة يخوض معركة أخرى من أجل السودان.
والطالبة التي تقف اليوم على منصة التكريم بعد أن تصدرت امتحانات الشهادة السودانية، إنما تقول لكل أطفال السودان:
يمكن للحرب أن تهدم بيتًا، لكنها لا تستطيع أن تهدم إرادة إنسان يؤمن بالمستقبل.
وهنا تكمن قيمة أن تلتفت القيادة إلى هؤلاء الأبناء والبنات.
حين يتذكر القائد أبناء وطنه وسط العاصفة
قد ينشغل القائد بأمن البلاد، وبالملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبمصير وطن يواجه تحديات ضخمة.
لكن القيادة الحقيقية لا تعني أن يرى المسؤول الخرائط والحدود والجبهات فقط؛ بل أن يرى كذلك الطالب في فصله، والأم وهي تنتظر نتيجة ابنها، والشاب الذي يبحث عن فرصة، والطفلة التي تحلم بأن تصبح طبيبة أو مهندسة أو عالمة.
ولهذا فإن تكريم المتفوقين يحمل معنى أوسع من التكريم نفسه.
إنه يقول:
نحن نحارب من أجل وطن سيكون له مستقبل، وليس من أجل حاضر فقط.
وإذا كانت الحرب معركة لحماية الدولة، فإن التعليم معركة لبناء الدولة.
وإذا كانت القوات تقف في الخطوط الأمامية لحماية الأرض، فإن الطلاب المتفوقين يقفون في الخطوط الأمامية لصناعة الغد.
من قلب الحزن إلى واجب الوطن
ويستحضر السودانيون كذلك ما عُرف عن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من مواقف شخصية مؤلمة خلال سنوات الحرب، ومنها فقدان نجله، وما رافق ذلك من لحظات إنسانية قاسية.
وفي حياة القادة كما في حياة المواطنين، لا تلغي المسؤولية الوطنية الألم الإنساني، لكنها تضع أمام الإنسان اختبارًا صعبًا بين وجعه الخاص والواجب العام.
وهذه المعاني الإنسانية، بعيدًا عن السياسة والخلافات والمواقف المتباينة، تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من التجربة الإنسانية لأي مسؤول يحمل مسؤولية عامة في زمن شديد القسوة.
تقى النور… ليست طالبة واحدة
إن تقى النور محمد النور ليست مجرد صاحبة مركز أول.
هي اليوم رمز لكل طالب سوداني جلس إلى الامتحان وهو يحمل في داخله خوفًا من المستقبل، لكنه لم يسمح للخوف أن يهزمه.
هي صورة للأم السودانية التي ظلت تدفع أبناءها نحو التعليم رغم المصاعب.
وهي صورة للمعلم الذي واصل رسالته في ظروف استثنائية.
وهي صورة للسودان الذي يستطيع أن يُخرج المتفوقين حتى من قلب الأزمات.
ولهذا فإن تكريمها ينبغي ألا ينتهي بانتهاء المناسبة.
بل يجب أن يكون بداية لسياسة وطنية أوسع لرعاية المتفوقين والمبدعين والباحثين والطلاب السودانيين داخل الوطن وخارجه.
رسالة إلى الدولة: لا تتركوا المتفوقين وحدهم
إذا كان السودان يريد أن يعبر الحرب إلى مرحلة إعادة البناء، فإن الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون في مقدمة الأولويات.
نحتاج إلى:
قاعدة بيانات وطنية للطلاب المتفوقين والمبدعين.
منح دراسية ورعاية أكاديمية للمتفوقين.
برامج لاحتضان الموهوبين داخل السودان وخارجه.
ربط المتفوقين بالجامعات ومراكز البحث العلمي.
برامج لإعادة العقول السودانية المهاجرة والاستفادة من خبراتها.
رعاية خاصة للطلاب الذين تضررت مسيرتهم التعليمية بسبب الحرب.
شراكات مع القطاع الخاص ورجال الأعمال لرعاية التعليم والابتكار.
فالميدالية التي تُمنح لطالب متفوق جميلة، والسيارة هدية مقدرة، وشهادة التقدير مصدر فرح، لكن الأهم هو أن تتحول لحظة التكريم إلى مسار مستدام لرعاية الإنسان السوداني.
السودان الذي نريده يبدأ من المدرسة
لن نعيد بناء السودان بالحديث عن إعادة الإعمار وحدها.
سنحتاج إلى طبيب يعالج أبناءنا، ومهندس يبني مدننا، ومعلّم يصنع أجيالنا، وباحث يطوّر اقتصادنا، ومبرمج يقود تحولنا الرقمي، وعالم يفتح للسودان أبواب المعرفة.
وهؤلاء جميعًا يبدأون من مقعد دراسي.
لذلك فإن حماية التعليم في زمن الحرب ليست رفاهية؛ إنها حماية لمستقبل الدولة نفسها.
وفي زمن العواصف… تبقى شمس الأمل
قد تحجب الحرب كثيرًا من المشاهد الجميلة في السودان.
قد يحجب الدخان صورة المدارس، وقد تطغى أصوات المعارك على أصوات أجراس التعليم، وقد تبدو الأخبار القاتمة أكثر حضورًا من أخبار النجاح.
لكن السودان لا يزال ينجب تقى النور.
ولا يزال فيه أبناء وبنات يصرون على النجاح.
ولا تزال هناك أمهات وآباء ومعلمون يؤمنون بأن العلم هو الطريق.
وهنا تأتي قيمة أن تلتفت القيادة إلى أبنائها في لحظة كهذه.
فحين يكرّم رئيس الدولة طالبًا متفوقًا وسط عاصفة الحرب، فإن الرسالة التي تصل إلى ملايين السودانيين هي:
نحن نواجه معركة اليوم، لكن أعيننا يجب أن تظل على السودان الذي سيأتي غدًا.
سيادة الرئيس…
إن أبناء السودان لا يريدون من قيادتهم أن تنسى الحرب، ولكنهم كذلك لا يريدون أن تنسى السودان الذي من أجله تُخاض المعارك.
ذلك السودان الذي يحلم به الطالب في فصله، وتحلم به الأم لابنها، ويحلم به الجندي وهو يدافع عن وطنه، ويحلم به كل سوداني يريد أن يرى بلاده آمنة، متعلمة، منتجة، قوية وعزيزة.
ولذلك فإن أجمل انتصار لا يكون فقط عندما تتوقف أصوات البنادق، وإنما عندما نرى بعدها جيلاً من المتعلمين والمبدعين يقود السودان إلى نهضته.
فالحرب قد تكون معركة وجود…
لكن التعليم هو معركة المستقبل.
وما دام في السودان طالب مثل تقى النور يرفع راية التفوق، فهناك وطن يستحق أن نتمسك بالأمل من أجله.
فلا تجعلوا دخان الحرب يحجب شمس السودان.
ولا تجعلوا العاصفة تنسينا أن خلفها وطنًا ينتظر أبناءه… وينتظر مستقبله.

مقالات ذات صلة