طالعت ما كتبه الذي يطلق على نفسه اسم «ود المصطفى» بشأن مولانا القاضي وائل علي عابدين، وما تضمنه المنشور من عبارات وادعاءات تتعلق بعلاقته برئيس القضاء، وبالطريقة التي وصل بها إلى موقعه القضائي، فضلاً عن حديثه عن مواقف واحتفالات ونوايا ومعلومات نسبها إلى مصادر وصفها بالموثوقة.
وأجد أن الأمر يستحق وقفة هادئة؛ ليس دفاعاً عن شخص بعينه فحسب، وإنما دفاعاً عن حرمة القضاء وهيبته، وعن أصول الخطاب العام، وعن حق الناس في أن تبنى مواقفهم على الوقائع الثابتة لا على الإشاعات والظنون والرسائل المتداولة في المجموعات الإلكترونية.
وأقول ذلك من موقع المعرفة المهنية، فقد زاملت مولانا وائل علي عابدين في مهنة المحاماة قبل التحاقه بالسلك القضائي، وعرفته محامياً من أكثر الزملاء تمسكاً بحسن الخلق، والاحترام، والقيم المهنية، وأدب المهنة.
ومن الطبيعي أن تختلف شهادات الناس في الأشخاص، لكنني أتحدث هنا عما عرفته بنفسي خلال فترة الزمالة، لا عما نقله إليّ شخص أو قرأته في مجموعة.
ومن ثم، فإنني لا أرى في ما ورد من اتهامات شخصية بحقه ما يبرر تغيير هذه الصورة المهنية التي عرفناها عنه، ما لم تقدم بينة حقيقية ووقائع محددة يمكن التحقق منها.
القضاء ليس مجالاً للشائعات
من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن تتحول المؤسسات العدلية إلى مادة للتناول القائم على الظن والتخمين.
القاضي قد يُنتقد.
والحكم القضائي قد يُعارض.
والقرار القضائي قد يكون محلاً للاستئناف أو النقض.
والقاضي، شأنه شأن أي صاحب وظيفة عامة، ليس فوق النقد القانوني والمهني.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين نقد حكم قضائي بأسبابه ومنطوقه ومستنداته القانونية، وبين الطعن في ذمة القاضي وشخصه وعلاقاته ومصادر تعيينه وترقيته دون تقديم دليل.
الأول ممارسة مشروعة في دولة القانون.
أما الثاني فهو انتقال من نقد القرار إلى استهداف الشخص.
وهذا فارق يجب ألا يغيب عن كل من يتناول الشأن القضائي في الوسائط.
ماذا يعني القول إن قاضياً «فتى مدلل»؟
هذه ليست عبارة قانونية، ولا هي نقد لحكم أو قرار.
إنها توصيف شخصي يحمل في طياته إيحاءً بأن القاضي حصل على موقعه لا بسبب كفاءته أو استحقاقه، وإنما بسبب قربه من شخصية أخرى.
لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه:
أين الدليل؟
إذا كان لدى كاتب المنشور مستند يثبت أن مولانا وائل عابدين حصل على منصبه بغير استحقاق، فليقدمه.
وإذا كان لديه قرار رسمي أو واقعة موثقة تثبت تدخلاً غير مشروع في مساره القضائي، فليعرضها أمام الجهة المختصة.
أما أن يقال إن فلاناً «مقرب» من رئيس القضاء، وإنه لذلك حصل على منصبه، فهذه ليست بينة، وإنما استنتاج شخصي لا يكفي لهدم سمعة رجل أو مؤسسة.
والحديث عن «الزيارات الخاصة» و«المزرعة»
المنشور يتحدث كذلك عن زيارات خاصة، وعن ذهاب رئيس القضاء إلى مزرعة في الكاسنجر.
وهذه أمور، حتى لو صحت واقعة الزيارة في ذاتها، لا تثبت بذاتها وجود مخالفة قانونية أو تأثير غير مشروع على عمل القاضي.
فالقاعدة البسيطة التي ينبغي أن تحكم خطابنا العام هي:
وجود علاقة أو معرفة أو زيارة لا يساوي بذاته وجود فساد أو محاباة أو تدخل في العدالة.
ومن يريد أن يحول الواقعة إلى اتهام، عليه أن يثبت العلاقة السببية بين الواقعة والادعاء الذي يريد استخلاصه منها.
أما الانتقال من:
«كانت هناك زيارة»
إلى:
«إذن المنصب مُنح بالمحاباة»
فهو استنتاج لا يستقيم دون دليل.
القاضي يُحاسب على حكمه لا على الشائعات حوله
إذا كان الاعتراض على موقف قضائي صدر في قضية معينة، فليكن الاعتراض على:
– أسباب الحكم؛
– سلامة تطبيق القانون؛
– وزن البينة؛
– الاختصاص؛
– الإجراءات؛
– السوابق القضائية؛
– أو غير ذلك من المسائل التي يعرفها أهل القانون.
أما أن تتحول المناقشة إلى عبارات من قبيل:
«احتفل بالقرار»
أو:
«حاول التأثير على القاضي»
أو:
«استلم المنصب لأنه مقرب»
فهذه اتهامات خطيرة، ولا ينبغي أن تُلقى في الفضاء العام بهذه السهولة.
فالقاضي لا ينبغي أن يكون مضطراً إلى الدفاع عن نفسه أمام كل منشور، كما أن المؤسسة القضائية لا ينبغي أن تتحول إلى طرف في سجالات مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد عملنا في المحاماة ونعرف قيمة القضاء
نحن، معشر المحامين، أكثر الناس معرفة بأن استقلال القضاء ليس شعاراً.
إنه الضمانة التي نقف أمامها نحن أنفسنا عندما ندخل قاعة المحكمة حاملين ملفات موكلينا.
قد نختلف مع القاضي، وقد نرى أن حكمه جانبه الصواب، وقد نطعن فيه أمام المحكمة الأعلى.
لكننا في نهاية المطاف نحتكم إلى القانون والمؤسسات.
وهذا هو الفارق بين دولة القانون ودولة الأشخاص.
وقد زاملنا كثيراً من القضاة قبل انتقالهم إلى القضاء، ومنهم من عرفناه محامياً ثم أصبح قاضياً.
والانتقال من منصة المحاماة إلى منصة القضاء لا يعني أن الإنسان يفقد قيمه وأخلاقه المهنية، بل الأصل أن يحمل معه أفضل ما تعلمه من المهنة إلى موقعه الجديد.
وهذا ما أرجوه وأتوقعه من كل من انتقل من المحاماة إلى القضاء.
القضائية السودانية تستحق التقدير
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي مرت وما زالت تمر بها البلاد، لا ينبغي أن نغفل أن الجهاز القضائي نفسه واجه ظروفاً بالغة التعقيد.
ومع ذلك ظل القضاء، بما يضم من قضاة وقانونيين وموظفين، يؤدي رسالته في حدود الإمكانات والظروف المتاحة.
قد تكون هناك أخطاء.
وقد تقع أخطاء إدارية أو قضائية.
وقد تكون هناك قرارات قابلة للنقد والطعن.
وهذا أمر طبيعي في أي منظومة بشرية.
لكن معالجة الأخطاء تكون بالقانون، وبالتظلم، والاستئناف، والطعن، والتفتيش، والآليات المؤسسية، لا بتحويل الوسائط إلى محاكم شعبية تتولى إصدار الأحكام على الأشخاص.
لا قداسة للأشخاص، ولكن للقضاء حرمة
حين نقول إن القضاء صرح عظيم، فإننا لا نقصد أن القاضي معصوم من الخطأ.
فالقاضي بشر، والحكم القضائي قابل للطعن وفقاً للقانون.
ولكن للقضاء هيبة يجب المحافظة عليها، لأن انهيار الثقة في القضاء لا يضر القاضي وحده، وإنما يضر المواطن والمحامي والمتقاضي والمجتمع بأسره.
ومن هنا فإن النقد مطلوب، لكن يجب أن يكون:
نقداً للقرار لا تشهيراً بالقاضي.
نقداً للحجة لا اغتيالاً للشخصية.
نقداً للبينة لا نشرًا للظنون.
نقداً قانونياً لا تصفية حسابات شخصية.
«بحسب مصدر موثوق» ليست دليلاً
من أكثر العبارات التي أصبحت تتردد في الوسائط:
««بحسب مصدر موثوق…»»
لكن المصدر الموثوق في العمل القانوني لا يُعرَّف بمجرد هذه العبارة.
الموثوقية تثبت بالمعلومة نفسها وبإمكان التحقق منها، لا بالصفة التي يمنحها الناشر لمصدره.
وإذا كان المصدر يمتلك دليلاً على جريمة أو مخالفة، فإن الطريق الطبيعي هو تقديمه للجهة المختصة.
أما نشر الاتهام أولاً ثم إخفاء الدليل خلف عبارة «مصدر موثوق»، فهو لا يحقق العدالة ولا يخدم الحقيقة.
علينا أن نحذر من تحويل الوسائط إلى محكمة
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من حياتنا، ومن حق الناس التعبير عن آرائهم.
لكن الحرية لا تعني سقوط المسؤولية.
والنقد لا يعني إطلاق الاتهامات.
والاختلاف لا يعني إسقاط الاحترام.
والغضب من حكم قضائي لا يمنح أحداً الحق في بناء رواية كاملة عن فساد قاضٍ أو عدم استحقاقه لمنصبه دون دليل.
وقد عالج القانون الجنائي السوداني أصلاً مسألة إشانة السمعة، فالمادة 159 تتعلق بنشر أو رواية أو نقل وقائع مسندة إلى شخص معين أو تقويم لسلوكه بقصد الإضرار بسمعته، وقد تناولت المحكمة العليا السودانية عناصر هذه الجريمة، ومنها إسناد الوقائع إلى شخص معين والقصد الجنائي.
ولذلك فإن المسؤولية عن الكلمة ليست أمراً أدبياً فقط، وإنما قد تكون لها آثار قانونية متى تجاوزت الحدود التي رسمها القانون.
رسالتي إلى «ود المصطفى»
إذا كان لديك دليل على فساد أو محاباة أو تدخل في القضاء، فضعه أمام الجهة المختصة.
وإذا كان لديك اعتراض على حكم، فناقش الحكم.
وإذا كان لديك تحفظ على أداء قاضٍ، فاذكر الواقعة المحددة، والدليل عليها، والنص القانوني الذي ترى أنه خولف.
أما أن ننسب إلى الناس ما لا نملك عليه دليلاً، ونبني عليه اتهامات تمس شرفهم ومكانتهم المهنية، فهذا لا يخدم الحقيقة ولا العدالة.
والأخطر أن يتحول الأمر إلى اغتيال معنوي ممنهج عبر تكرار الاتهام حتى يظنه الناس حقيقة.
كلمة أخيرة:
أقولها بوضوح:
أنا لا أدافع عن خطأ قضائي إن ثبت، ولا أطلب حصانة لأحد من النقد، ولا أضع القضاء فوق القانون.
لكنني أدافع عن قاعدة أؤمن بها مهنياً وأخلاقياً:
لا اتهام بلا دليل، ولا إدانة بلا بينة، ولا نقد للقضاء خارج القانون.
ومولانا وائل علي عابدين، الذي عرفته زميلاً لنا في المحاماة، كان من أصحاب الخلق الرفيع والالتزام المهني، ولا أملك سبباً يجعلني أغير شهادتي عنه لمجرد منشور متداول أو اتهامات مجهلة المصدر.
كما أنني أضع كل قضاة السودان محل تقدير واحترام، وأرى أن ما يبذلونه في هذه الظروف الاستثنائية يستحق منا التقدير والمؤازرة، لا أن نزيد عليهم أعباء العمل بسيل من الاتهامات غير الموثقة.
إن كان هناك خطأ، فليصحح بالقانون.
وإن كان هناك حكم غير صحيح، فليُطعن فيه.
وإن كان هناك فساد، فليُكشف بالدليل.
أما القضاء، فليس ساحة للمكايدات، ولا مادة للتشهير، ولا مجالاً للاتهام المرسل.
فاحترام القضاء لا يعني إسكات النقد، وإنما يعني أن نجعل النقد في مستوى المؤسسة التي نتحدث عنها.
وإذا أردنا قضاءً قوياً ومستقلاً ومحترماً، فعلينا أن نساعد في بناء هيبته وثقة الناس فيه، وأن نختلف معه – متى اقتضى الأمر – بلغة القانون، لا بلغة المنصات.




