:: سنوياً، في مهرجان السياحة بالبحر الأحمر، كان البشير يعد أهل الشرق بمياه النيل. وفي النسخة الثامنة للمهرجان، غاب البشير وجاء الوعد في خطاب نائبه بكري حسن صالح، فقابلت الجماهير الوعد باللامبالاة، فقطع بكري خطابه متسائلاً باستنكار: ( إنتو ما مصدقين ولا شنو)..!!
:: وما حدث يوم الإثنين الماضي هو توقيع حكومة البحر الأحمر عقداً مع شركة ماليزية، وبتمويل إسباني، لتوصيل مياه النيل، بتكلفة تبلغ 3 مليارات دولار، وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).. ولم يتفاعل أهل الولاية مع الحدث، وهنا يحق لواليهم أن يسأل مستنكراً: ( إنتو ما مصدقين ولا شنو)..!
:: والمهم في الأمر، أن أزمة المياه هي أم الأزمات بالبحر الأحمر، ومع ذلك لا تضعها نخب المركز في قائمة أولوياتها عندما تحكم؛ فالقضية مركزية وليست ولائية.. ومن الغرائب أن تكون حكومة البحر الأحمر هي الموقعة على العقد مع الشركة الماليزية، وليست وزارة المالية الاتحادية..!!
:: ومد البحر الأحمر بمياه النيل ليس محض مشروع خدمي، بل هو خدمي واستراتيجي، هذا إن كانت النخب السياسية تعرف معنى الاستراتيجيات؛ فلو كانوا يعرفون معناها لكان مد أهل الشرق بأنابيب مياه النيل مشروعاً من مشاريع الوحدة الوطنية منذ عقود..!!
:: فالجنوب لم ينفصل بإرادة أهله فحسب، بل أيضاً بعجز النخب السياسية عن تقوية الوحدة الوطنية بالمشاريع الاستراتيجية، كأن تكون بين مدن الشمال والجنوب شبكات طرق وسكك حديدية ونقل نهري وخطوط طيران، وغيرها من وسائل التواصل وعوامل الانصهار..!!
:: والشرق بحاجة لمشاريع استراتيجية، كمشروع مياه النيل.. وفي الخاطر، في مارس 2010، عرضت شركة صينية على وزارة المالية التصميم الهندسي للمشروع، بطول 470 كم، وبتكلفة 386 مليون دولار، وبفترة تنفيذ تستغرق 18 شهراً، وكان وزير المالية حينها عوض الجاز…!!
:: وافقت المالية على العرض، وتحفظت على فترة التنفيذ؛ وطالبت الشركة بتنفيذ المشروع خلال عام واحد بدلاً من 18 شهراً.. ولتأكيد أن العام يكفي للتنفيذ، قال عوض الجاز: ” الصين نفذت أنابيب البترول -بطول 1200 كم- خلال 11 شهراً، المانع شنو تنفيذ أنابيب مياه -بطول 470 كم- خلال سنة؟”..!!
:: ثم التزمت وزارة المالية بتذليل عقبات المشروع، ومع ذلك لم يتم تنفيذه.. ومن الحقائق المؤلمة، أن الشركة الصينية التزمت بنص العقد وشرعت في التنفيذ، ولكن وزارة المالية وبنك السودان لم يلتزما بإصدار خطاب الضمان للشركة..!!
:: فالمشروع كان عبارة عن قرض، ودفعت المالية مكونها المحلي (47) مليون دولار، ثم رفضت إصدار خطاب الضمان..وظلت الشركة تطالب بالخطاب ولم تكن تجد سوى التجاهل، حتى ارتفعت تكاليف المشروع إلى 570 مليون دولار، وظلت المالية مستمرة في رفض إصدار خطاب الضمان..!!
:: وأثبتت الشركة جديتها؛ إذ شيدت معسكر إدارتها و عمالها، واستجلبت معداتها وعتادها..وكانت الحكومة قد اشترت من مواطن بقرية “الحديبة” -محلية الدامر- موقع المشروع على شاطئ النيل..وبعد كل هذا، رفضت المالية تسليم الشركة خطاب الضمان..!!
:: مات المشروع وغادرت الشركة بأموال الناس المدفوعة مقدماً (47 مليون دولار)..ومن الغرائب أن يتحول مشروع اتحادي -فجأة- إلى مشروع ولائي، وأن يكون الوالي هو الضامن.. والأغرب هو ارتفاع تكلفة المشروع من قرابة نصف مليار دولار إلى (3 ) مليارات دولار، وكأن الدولار يتضخم كالجنيه السوداني..!!




