*بيان مفبرك باسم الجاكومي… عندما تتحول الأكاذيب إلى سلاح سياسي . بقلم: د. سعاد فقيري*

 

في زمن الفتن السياسية والحرب التي أنهكت السودان، لم يعد العبث بالكلمة أمراً بسيطاً، ولم تعد البيانات المفبركة مجرد منشورات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فاختلاق موقف سياسي ونسبته إلى شخصية وطنية، أو إلى قيادات أهلية ومجتمعية، هو تضليل للرأي العام ومحاولة خطيرة لصناعة موقف لم يصدر أصلاً عن أصحابه.
ومن هنا، فإن البيان المتداول الذي يحمل اسم الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي، والمنسوب إلى قيادات وإدارات أهلية وشباب ونساء الولاية الشمالية، والذي يزعم ترشيح الفريق أول ركن صلاح عبد الله قوش لرئاسة الفترة الانتقالية، يحتاج إلى وقفة حاسمة وواضحة.
فالجاكومي يتبرأ من هذا البيان، ولا علاقة له به، ولم يصدر عنه هذا الموقف.
وهنا يجب أن نتعامل مع الأمر باعتباره قضية تتجاوز شخص الجاكومي؛ لأنها تمس حرمة الموقف السياسي وحق المواطن في معرفة الحقيقة، وتمس كذلك سمعة مكونات اجتماعية وأهلية جرى الزج بأسمائها في بيان لم تصدره.
من يحاول أن يتحدث باسم الشمالية؟ث
الولاية الشمالية ليست ملكاً لشخص أو حزب أو جماعة، كما أن أهلها ليسوا كتلة سياسية واحدة يمكن لأحد أن يتحدث باسمها دون تفويض.
إن وضع أسماء الإدارات الأهلية والشباب والنساء والمجتمع المدني في مقدمة بيان سياسي، ثم ختمه باسم شخصية عامة، دون أن يكون البيان صادراً عنها، يمثل محاولة لإضفاء شرعية اجتماعية على موقف مختلق.
وهذا أمر مرفوض.
فالاختلاف السياسي حق، والترشيح حق، والنقد حق، والتأييد والمعارضة حق؛ لكن اختلاق البيانات وانتحال مواقف الآخرين ليس حقاً سياسياً، بل اعتداء على الحقيقة.
الجاكومي أكبر من أن يُختزل في منشور مفبرك
الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي شخصية سياسية ومجتمعية معروفة بمواقفها وتصريحاتها، ومن حقه الكامل أن يعلن مواقفه بنفسه، لا أن تُصنع له مواقف ثم تُنشر باسمه.
والأخطر أن محاولة إلصاق مثل هذا الموقف به قد تكون مقصودة لإدخاله في معركة سياسية لم يخترها، أو لإحداث انقسام داخل المجتمع الشمالي، أو لتشويه صورته أمام قطاعات من الشعب السوداني.
ومن هنا نقول بوضوح: الاختلاف مع الجاكومي شيء، وتزوير موقفه شيء آخر تماماً.
يمكن أن نختلف معه أو نتفق، يمكن أن نؤيد مواقفه أو ننتقدها، ولكن لا يجوز أن ننسب إليه كلاماً لم يقله.
لماذا هذا التوقيت بالذات؟
السودان اليوم في مرحلة شديدة الحساسية.
البلاد تحتاج إلى الحقيقة لا إلى الشائعات، وإلى التماسك لا إلى صناعة الاستقطاب، وإلى مواقف واضحة تصدر من أصحابها لا إلى بيانات مجهولة المصدر تُلبس ثوب الشرعية الاجتماعية.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الحرب الإعلامية وصناعة الأخبار الكاذبة خطراً لا يقل عن خطورة بعض أشكال الفوضى السياسية؛ لأنها تضرب الثقة بين المواطن والقيادات، وتفتح أبواب الفتنة بين المكونات الاجتماعية.
وإذا كان هناك من يريد أن يطرح ترشيحاً أو مشروعاً سياسياً، فليطرحه باسمه الصريح وتحت مسؤوليته الكاملة.
أما أن تُجمع أسماء أهلية وشبابية ونسائية، ثم يُوضع اسم شخصية وطنية في نهاية البيان دون علمه، فذلك أسلوب لا يخدم السودان ولا يخدم صاحبه.
لا تجعلوا الشمالية وقوداً للاستقطاب
أهل الشمالية عرفوا عبر تاريخهم بالوعي، والهدوء، والحكمة، والتمسك بأرضهم وحقوقهم، ولا ينبغي أن تتحول الولاية إلى ساحة لصناعة البيانات الوهمية أو تصفية الحسابات السياسية.
الشمالية تحتاج إلى تنمية حقيقية، وإلى حماية مواردها، وإلى استقرارها، وإلى معالجة قضايا إنسانها، وإلى خطاب سياسي مسؤول يحترم عقل المواطن.
لا نريد شمالية تُستخدم في معارك الآخرين، ولا مجتمعاً تُسرق إرادته ببيان مزور.
كلمة أخيرة
إننا نستنكر بشدة هذا العمل المفبرك، ونرفض استخدام اسم الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي أو اسم أي مكون أهلي أو شبابي أو نسائي في بيانات لم تصدر عنه.
كما ندعو الجميع إلى عدم إعادة نشر مثل هذه البيانات قبل التحقق من مصدرها، لأن إعادة تداول الخبر الكاذب تمنحه حياة جديدة، حتى بعد انكشاف حقيقته.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية تقتضي أن تكون هناك جهة واضحة تحقق في مصدر البيان، وكيف جرى تداوله، ومن يقف وراء نشره، خاصة إذا ثبت أنه استخدم أسماء أشخاص ومكونات اجتماعية دون إذنهم.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأكاذيب.
يحتاج إلى رجال ونساء يقولون الحقيقة، وإلى خلاف سياسي شريف، وإلى مؤسسات تحترم القانون، وإلى إعلام يتحرى الدقة، وإلى مواطن لا يسمح لأحد بأن يصنع له موقفاً لم يتخذه.
أما الجاكومي، فموقفه يعلنه بنفسه،
ولا يحتاج إلى من ينتحل اسمه.
الوطن فوق كل اعتبار…
والحقيقة لا تُزوَّر.

مقالات ذات صلة