تتكسّرُ أمواجُ الطغيانِ دائماً على صخرةِ الحقّ، وتنجلي سُحُبُ الخطيئة أمامَ نصاعةِ اليقين. وحين تنكسرُ الموازينُ العادية، وتتطاولُ أيدي العدوانِ بظلمٍ غاشمٍ لا يرعى في مؤمنٍ إِلاّ ولا ذمّة، يستدعي التاريخُ ذاكرتَه المديدة، ليتنزّلَ الخاطرُ الإيمانيّ الممتدّ عبر القرون: إنّ للبيتِ ربّاً يحميه.
إنّ المستهدفَ اليوم ليس مجرّد رقعةٍ جغرافيةٍ أو كيانٍ سياسي، بل هو العمقُ الروحيّ لأمّةٍ يتّجهُ سوادُها الأعظم خمسَ مرّاتٍ في اليوم والليل نحو الكعبةِ المشرّفةِ والمدينَةِ المنوّرة. وحين تطالُ محاولاتُ الاستهدافِ حَرَمَيِ اللهِ الآمِنَيْن، فإنّ الخطيئةَ تتجاوزُ حدودَ القوانينِ والمواثيقِ الدولية، لتصطدمَ بواعظِ الحقّ ومشيئةِ القهّار.
لقد ظلّت المملكةُ العربيةُ السعودية، عبر تاريخِها الحديثِ والمعاصر، حارساً أميناً وراعياً مخلصاً لهذه المقدّسات. ولم تكن حراستُها مجرّد أداءٍ وظيفيّ أو تحصينٍ عسكريّ فحسب، بل كانت وما زالت رسالةَ عقيدةٍ ووظيفةَ وجود. إنّ التضحياتِ التي تقدّمُها أجهزتُها الدفاعيةُ وقيادتُها وشعبُها تُمثّلُ درعَ الأمةِ المتقدّم، وتجسيداً حيّاً للأخذِ بالأسبابِ الماديةِ التي أمرَ بها الشرعُ الحنيف.
غير أنّ المعادلةَ الإلهيةَ تظلّ هي الصخرةَ الأساس؛ فالأسبابُ البشريةُ تُبذلُ امتثالاً، لكنّ العنايةَ الإلهية هي التي تُحبطُ كيدَ الكائدين، وتجعلُ تدبيرَهم تدميراً عليهم. وكما اندحرَ الأفيالُ صاغرين على أبوابِ مكةَ قديماً، فإنّ كلّ معتدٍ آثمٍ ينسى أنّ للمقدساتِ حرمةً لا تُستباح، وأنّ وراءَ الحدودِ والجنودِ قوةً لا تُقهر، وحفظاً ربانياً لا تخرقُه المخططاتُ ولا تنالُ منه الأطماع.
ستبقى بلادُ الحرمينِ الشريفينِ شامةً في جبينِ الأمة، وستظلّ مهوى الأفئدةِ وموئلَ الأمنِ والإيمان، ترتدّ عنها سهامُ الغدرِ خائبة، ويظلّ قولُ عبدِ المطلبِ يتردّدُ في آفاقِ الزمنِ شاهداً على يقينِ المؤمنين: إنّ للبيتِ ربّاً يحميه، وإنّ للحقّ أهلاً يصونون حِماه.
ونواصل…




