*مطبات طريق: حين يعيد العلم صياغة المكانة بقلم: وداد الماحي*

​في أزقة حي “فيصل” المزدحمة بمحافظة الجيزة، بين صخب الباعة والسيارات، لم يكن أحد من المترددين على كشك الخضار الصغير يتخيل أن الرجل الذي يزن لهم الفاكهة بابتسامة راضية ويحمّل أكياس الخضار، يحمل في رأسه تاريخاً حافلاً من معادلات فيزياء المواد الصلبة، وشغل يوماً منصب عميد كلية العلوم بأعرق الجامعات السودانية—جامعة الخرطوم.
​قصة البروفيسور السوداني حسن سيد ليست مجرد حكاية كفاح فردية، بل هي درس مكثف في كيفية التعامل مع “مطبات الطريق” التي تفرضها الحياة دون إنذار.
​تأتي مطبات الحياة أحياناً على هيئة قرارات شخصية، لكنها في أحيان أخرى تهبط كالصاعقة على شكل أزمات وطنية وحروب تطحن الاستقرار وتقتلع الإنسان من جذوره. حين اندلعت الحرب في السودان، وجد البروفيسور نفسه أمام اختبار إنساني أخلاقي شديد القسوة: إما السقوط في بئر الاستكانة وانتظار المساعدات، أو ابتلاع الكبرياء الأكاديمي والنزول إلى الشارع لكسب الرزق الحلال. اختار الطريق الثاني، متحلياً بشجاعة فريدة تُعلمنا أن العمل الشريف—مهما بَسُط—هو الشرف الحقيقي الذي لا ينقص من قدر صاحبه، موجهاً بذلك صفعة لثقافة الخجل من العمل التي تقيد الكثيرين.
​لكن المطبات، مهما طالت، ليست هي نهاية الطريق. فالعدالة الإلهية والإصرار الشديد كانا يعملان في الخفاء. وبينما كانت يدا البروفيسور تنشغلان بتدبير قوت اليوم، كان عقله يتابع شغفه الأكاديمي، ليتقدم لوظيفة بحثية في إحدى الجامعات الألمانية. وفي منافسة شرسة تضم مئات الباحثين من حول العالم، لم تنظر اللجان العلمية إلى الكشك الذي يقف فيه، بل نظرت إلى “إرثه العلمي” وسيرته الأكاديمية؛ لتثبت القصة أن الأثر العلمي والجهد البحثي رصيد ثابت لا تلغيه ظروف النزوح ولا تطمسه سنوات الحرب.
​ولم تكتمل روعة هذه الملحمة إلا في المشهد الأخير، حين التئم التضامن العربي في أبهى صوره؛ حيث لم يكتفِ أهالي فيصل والمصلون بوداع البروفيسور بالدعاء في المسجد بعد صلاة الجمعة، بل قدموا له تكريماً شعبياً عفوياً تعبيراً عن حبهم واعتزازهم بأخلاقه طوال فترة وجوده بينهم. لقد ودعوه ليس فقط لأنه باحث متجه إلى ألمانيا، بل لأنه قدم لهم نموذجاً حياً للكرامة، والرضا بالقضاء، والثقة بأن المعرفة حجر صلب لا تكسره مطبات الحياة.
​إن قصة البروفيسور حسن سيد تضعنا أمام حقيقة جليّة لا زيف فيها: أن الصبر والمثابرة والتسلح بغير متزحزح بالثقة بالله هي الأركان الصلبة التي يبنى عليها أي نجاح حقيقي. قد تشتد الأزمات وتظلم الطرقات، وقد تباغتنا الحياة بمطبات تحاول كسر إرادتنا، لكن اليقين بأن الإيمان بالسعي والعمل الشريف لا يضيع هباءً هو الشعلة التي تنير العتمة. لكل من يمر بمحنة أو تعثّر في مسيرته: ثق بأن معدنك الأصيل وطموحك الصادق سيعيدان تشكيل واقعك مهما طال الانتظار، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والمستقبل يُكتب بأيدي أولئك الذين لم يفقدوا الأمل يوماً.

مقالات ذات صلة