*الحوار السوداني–السوداني.. اختبار التوافق بين القوى السياسية.. رشان أوشي*

بدأت الترتيبات لانعقاد مؤتمر الحوار «السوداني–السوداني» في العاصمة الخرطوم، وظهرت لجنة الإعداد إلى العلن. وبصرف النظر عن الأسماء التي تتصدر المشهد داخل اللجنة أو في عضويتها، فإن المؤكد أن أمامها مهمة شاقة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية والمرونة، خصوصاً في ظل التعقيدات السياسية التي تمر بها البلاد.
ومن المتوقع أن تكشف الأيام المقبلة عن طبيعة الخلافات التي تدور خلف الكواليس بين القوى والمجموعات السياسية المساندة للقوات المسلحة، ومدى قدرتها على تجاوز خلافاتها والوصول إلى أرضية مشتركة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات التنظيمية والشخصية.
في المقابل، تبدو مشاركة مجموعات أو شخصيات من «صمود» محل خلاف، ليس بالضرورة بسبب رفض مبدأ الحوار في حد ذاته، وإنما بسبب تباين الرؤى حول شكل العملية السياسية ومخرجاتها والجهات التي ينبغي أن تشارك فيها. وقد أسهمت مواقف «صمود» خلال الفترة الماضية في توسيع الفجوة بينها وبين قطاعات من القوى السياسية والاجتماعية داخل السودان، رغم امتلاكها قدرة ملحوظة على الحركة والتواصل في المحافل الدولية.
وعلى الجانب الآخر، تتمتع القوى السياسية والمجتمعية المساندة للقوات المسلحة بحضور وطني وشعبي مقدر، لكنها تواجه تحديات تتعلق بضعف التنسيق السياسي وتعدد المواقف، فضلاً عن محدودية الحضور والتأثير الخارجي مقارنة ببعض القوى الأخرى.
والمفارقة أن كثيراً من هذه القوى تتفق على عدد من القضايا الكلية والمبادئ العامة، لكنها تختلف بصورة حادة حول أدوات العمل السياسي وآلياته وترتيبات المرحلة المقبلة. كما أن بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا تبدو حريصة على أن يكون لها حضور متقدم في أي ترتيبات سياسية جديدة، وهو ما يضيف تعقيداً آخر إلى المشهد، في ظل المخاوف المرتبطة بالمواقع السياسية والموارد والنفوذ.
إن السودان اليوم في أشد الحاجة إلى الحد الأدنى من التوافق الوطني، ولا سيما بين القوى السياسية التي تقف إلى جانب مؤسسات الدولة والقوات المسلحة. فالمرحلة الحالية لا تحتمل المزيد من التشتت والصراعات الجانبية، وإنما تحتاج إلى حوار جاد يضع مصلحة السودان واستقرار مؤسساته فوق المصالح الحزبية والتنظيمية.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح أي حوار سوداني لن يقاس بعدد المشاركين فيه، وإنما بقدرته على إنتاج تفاهمات حقيقية تفتح الطريق أمام دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، وعملية سياسية تستوعب السودانيين بعيداً عن الإقصاء والارتهان لأي أجندة خارجية.

مقالات ذات صلة