ربما كانت ورشة «ماهية الوقف: مفاهيم أساسية وتجارة مع الله»، التي نظمتها الإدارة العامة للموارد والوقف الطلابي بالأمانة العامة للصندوق القومي لرعاية الطلاب، واحدة من تلك البدايات التي تحمل في داخلها ما هو أكبر من عنوانها؛ فقد بدت في ظاهرها فعالية للتعريف بالوقف ومفاهيمه، غير أن ما طُرح خلالها كشف عن توجه يتجاوز التعريف إلى محاولة إعادة بناء مفهوم الوقف وتوجيهه لخدمة طالب العلم، في وقت يواجه فيه السودان تحديات كبيرة فرضتها الحرب وتداعياتها على مؤسسات التعليم والحياة الطلابية.
السؤال الذي تطرحه المبادرة يتجاوز مشروعية الوقف وفضائله المعروفة إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالواقع، وهو : كيف يمكن تحويل الوقف من قيمة دينية واجتماعية راسخة في الذاكرة السودانية إلى مورد مستدام يسهم في إعادة بناء البيئة التعليمية، ويخفف عن الطلاب أعباء السكن والخدمات الضرورية، ويفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً أمام المجتمع للمشاركة في دعم التعليم؟
ارتبط الوقف تاريخيا في السودان تاريخياً بالدولة السنارية وربما قبلها، وبالخلاوي والتعليم وأعمال البر، وأسهم في توفير مقومات الاستمرار لكثير من مؤسسات العلم والمعرفة، غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع، ثم ظروف الحرب الحالية، أعادت طرح الحاجة إلى استدعاء هذا الدور بصورة جديدة تتناسب مع احتياجات العصر. وهنا تكمن أهمية الفكرة التي يطرحها الصندوق القومي لرعاية الطلاب؛ فالوقف، وفق الرؤية التي عرضها الأمين العام للصندوق الدكتور أحمد حمزة الأمين، ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مورداً يستمر عطاؤه بلا نهاية، وقد يكون في شكل مبنى سكني، أو بئر، أو مشروع مياه، أو منشأة تخدم الطلاب، أو حتى تطبيقا إلكترونيا يمكن أن يتحول إلى أصل منتج للمنفعة لسنوات طويلة، وربما لأجيال متعاقبة.
هذه النقلة في التفكير مهمة؛ لأنها تنقل العمل الخيري من منطق الاستجابة الآنية إلى منطق الاستدامة؛ فالطالب الذي يحتاج إلى السكن أو المياه أو البيئة المناسبة للدراسة لا يحتاج إلى مساعدة لمرة واحدة فقط، وإنما يحتاج إلى منظومة خدمات مستقرة تساعده على مواصلة تعليمه، ومن هنا يصبح الوقف الطلابي جزءاً من الحل طويل المدى لمشكلة الخدمات التعليمية والاجتماعية.
لكن الفكرة، مهما كانت نبيلة، لا تستطيع أن تصنع أثراً من تلقاء نفسها؛ فالوقف يحتاج إلى مؤسسة تديره، وتشريعات تحميه، وشفافية تعزز الثقة فيه، ونظم استثمار تضمن استدامته، وقنوات واضحة تجعل الواقف مطمئناً إلى أن وقفه وصل إلى الغاية التي حددها له “شرط الواقف”؛ ولهذا تبدو فكرة المؤتمر العلمي العالمي للوقف المرتقب لسد حاجيات طالب العلم خطوة لبناء الجسور بين الفكرة والتطبيق، والاستفادة من التجارب الدولية في إدارة الأوقاف وتوظيفها لخدمة التعليم والسكن وغيرها من احتياجات الطلاب، وهناك تجارب لدول مثل تركيا والسعودية وقطر والجزائر وغيرها تستحق أن تقدم كنماذج للدراسة، لفهم الأدوات التي جعلت الوقف مورداً مستداماً في مجتمعات مختلفة. والسودان يحتاج إلى أن يختار من هذه التجارب ما يتناسب مع واقعه القانوني والاقتصادي والاجتماعي، ثم يبني نموذجه الخاص، وهو نموذج موجود منذ القدم، لكن من المهم نفض الغبار عنه.
يمكن القول أنه إذا نجح الصندوق القومي لرعاية الطلاب في تحويل هذه الرؤية إلى منظومة مؤسسية لها تشريعاتها ومشروعاتها وواقفوها وشركاؤها، فسيصبح المؤتمر العالمي المرتقب لحظة انتقال حقيقية من ثقافة الحديث عن الوقف إلى ثقافة صناعة أثره؛ فالإنسان يمضي، والمال يتغير، والمباني قد تتبدل، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين فقد يمتد إلى ما بعد عمره. وربما يكون أجمل ما يتركه المرء خلفه ليس ما جمعه لنفسه، وإنما ما أعطاه للآخرين، ثم ظل عطاؤه حياً من بعده.
ومن المهم في هذا السياق ألا يبقى مشروع الوقف الطلابي محصوراً في الأمانة العامة للصندوق؛ فالدور الحقيقي يبدأ عندما تغادر الفكرة القاعة وتصل إلى الولايات والمجتمعات. وقد أشار قمر الأنبياء حسن علي، مدير الإدارة العامة لشؤون الولايات، إلى أهمية نقل ما طرحته الورشة من مفاهيم وأوراق علمية إلى أمانات الصندوق في الولايات، ثم إلى المؤسسات والمجتمعات. وهذه الخطوة ضرورية؛ لأن الوقف في جوهره علاقة بين المجتمع وحاجاته. وكلما اتسعت دائرة المشاركة فيه، ازدادت فرص نجاحه؛ فالواقف قد يكون فرداً، أو مؤسسة، أو شركة، أو مجموعة من رجال الأعمال، وقد يكون الوقف مشروعاً كبيراً أو مبادرة محدودة تبدأ صغيرة ثم تتوسع. المهم أن توجد مؤسسة قادرة على تنظيم هذه الرغبات وتحويلها إلى مشروعات ذات أثر يمشي بين الناس.
ولعل الأوراق العلمية الثلاث التي قدمت في الورشة قد رسمت، بصورة متدرجة، ملامح هذه الرؤية؛ فقد ركزت ورقة الشيخ د. محمد الأمين إسماعيل عضو مجمع الفقه الإسلامي، «الوقف تجارة مع الله لن تبور ودورنا في دعوة الواقفين»، على البعد الإيماني، مستندة إلى قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. ثم جاءت ورقة الأستاذ محمد سليمان محمد علي، «الوقف: مفاهيم أساسية ودوره في نهضة التعليم»، لتأصيل المفهوم واستعادة جذوره الحضارية، بينما انتقلت ورقة الأستاذ مختار محمد مختار، «مؤتمر الوقف لسد حاجيات طالب العلم»، ومن ثم تواترت المداخلات حيث يرى الأستاذ مختار محمد مختار، مدير إدارة الموارد وعضو اللجنة العليا للمؤتمر، أن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء نموذج مؤسسي قادر على نقل الفكرة إلى الواقع، معتبراً الوقف الطلابي استثماراً في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في المباني والمنشآت؛ فالمال الموقوف على طالب العلم لا يقدم خدمة آنية فحسب، وإنما يمكن أن يسهم في صناعة إنسان قادر على إنتاج المعرفة وخدمة المجتمع. فإذا وفرت للطالب سكناً آمناً ومياهاً وخدمات أساسية، فقد ساعدته على الاستقرار والتحصيل، وربما أسهمت بصورة غير مباشرة في بناء مستقبل أسرة ومؤسسة ومجتمع.
بينما يؤكد الأستاذ جعفر عثمان، مدير إدارة الوقف الطلابي، أن الأصل في الوقف عبادة، غير أن تحويل هذه العبادة إلى مشروع يخدم آلاف الطلاب يتطلب إدارة وتنظيماً وتخطيطاً. وهذه النقطة تحديداً هي التي ستحدد مستقبل الفكرة؛ فبين النية الصالحة والنتيجة المستدامة تقف المؤسسة، لذا يمكن النظر إلى هذه الورشة الأخيرة باعتبارها «أول الغيث»، لأننا سننتظر حجم وعدد الأفكار التي ستتحول إلى مشروعات، وعدد الواقفين الذين سيجدون أمامهم مؤسسة موثوقة، وعدد الطلاب الذين سيشعرون بأن الوقف غيّر شيئاً في حياتهم. لنجد الأثر الناجز في غرفة يجد فيها الطالب مكاناً آمناً للمبيت، وفي بئر يصل ماؤها إلى مدينة جامعية محتشدة بطلاب العلم، وفي مبنى يظل مفتوحاً أمام أجيال متعاقبة، وفي طالب يستطيع مواصلة دراسته لأن شخصاً قرر أن يجعل جزءاً من ماله صدقة جارية ووقفا يدوم نفعه.
فالوقف الطلابي اليوم أمام فرصة حقيقية حتى ينتقل من فكرة جميلة إلى مشروع وطني مستدام. وهذه الفرصة تحتاج إلى خطوة عملية تبدأ من الصندوق القومي لرعاية الطلاب، وتمتد إلى الوزارات والجامعات والولايات ورجال الأعمال والواقفين والمحسنين والمؤسسات المصرفية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والمطلوب الآن أن يتحول المؤتمر المرتقب إلى نقطة انطلاق عملية، وأن تخرج عنه مشروعات محددة يمكن تنفيذها وقياس أثرها، مع إنشاء قاعدة بيانات واضحة لاحتياجات الطلاب ومشروعات الوقف المقترحة، وفتح قنوات معلنة وآمنة أمام الراغبين في الوقف والتبرع، وتحديد مشروعات ذات أولوية تبدأ بالسكن والمياه والخدمات الأساسية في المدن الجامعية.
والأهم أن يجد الواقف أمامه مؤسسة موثوقة تقول له بوضوح: هذا وقفك، وهذه أصوله، وهذه طريقة استثماره، وهؤلاء المستفيدون منه، وهذا أثره الذي يتحقق على الأرض. فالشفافية هنا شرط أساسي لبناء الثقة واستقطاب المزيد من الواقفين. كما أن الولايات مطالبة بأن تتحول من متلقٍ للفكرة إلى شريك في صناعتها، وأن تحدد احتياجاتها وتطرح مشروعاتها الوقفية وفق أولويات واضحة، بينما تستطيع الجامعات أن تقدم بيانات دقيقة عن احتياجات طلابها، ويستطيع القطاع الخاص ورجال الأعمال أن يجدوا في الوقف الطلابي مجالاً يجمع بين المسؤولية الاجتماعية والاستثمار في الإنسان.
إنها دعوة إلى كل من يستطيع أن يشارك: بمال، أو بعقار، أو بأرض، أو بمشروع مياه، أو بخبرة، أو بفكرة، أو بشراكة مؤسسية؛ فالوقف لا يشترط أن يبدأ كبيراً؛ المهم أن يبدأ صحيحاً، وأن يكون قابلاً للاستمرار والتوسع، ويمكن أن يبدأ العمل من الآن بمشروعات نموذجية صغيرة، تُنفذ بشفافية، ويُعلن أثرها للناس، حتى تتحول التجربة الأولى إلى نموذج يجذب واقفين آخرين. عندها فقط يصبح «الوقف الطلابي» ثقافة مجتمعية ومؤسسة فاعلة، فمن أراد أن يترك أثراً بعد رحيله، فليجعل للعلم نصيباً من عطائه، ومن أراد أن يسهم في إعادة بناء السودان، فليبدأ بالإنسان، ومن أراد أن يرى ثمرة وقفه، فليزر مدينة جامعية ويرى طالباً وجد فيها سكناً وماءً وبيئة تعينه على التعلم.




