تقرير سبتمبر: شح الأمطار في السودان وشمال إثيوبيا
مبادرة حوض النيل: استعدوا للجفاف.. والسودان أمام خطر نقص الغذاء
نيروبي: عمار عوض
قال تقرير سبتمبر لمبادرة حوض النيل إن الأمطار التي هطلت على السودان خلال يونيو–أغسطس 2026 كانت أقل بصورة كبيرة من الفترة نفسها في العام الماضي، وأقل من المتوسط التاريخي، في وقت شهدت فيه أجزاء مهمة من المرتفعات الإثيوبية، المصدر الرئيسي لمياه النيل الأزرق، عجزاً مطرياً انعكس على تدفقات المياه إلى السودان.
وتقول المبادرة إن هذا العجز جاء خلال أهم موسم مطري للنيل الشرقي، وإن انخفاض الأمطار في المرتفعات الإثيوبية أدى إلى تراجع واضح في واردات النيل الأزرق، وانعكس على إمدادات المياه في السودان. (Nile Basin Initiative)
وتكشف المقارنة مع عام 2025 عن فارق واضح.
ففي موسم يونيو–سبتمبر 2025، سجلت إثيوبيا أمطاراً قريبة من المعدلات الطبيعية إلى أعلى منها، وسجلت أنهار النيل الشرقي، وبينها النيل الأزرق، مستويات وتدفقات أعلى من المعتاد. وحينها كان التحذير يتعلق بانخفاض متوقع في التدفقات مع دخول موسم الجفاف. (Nile Basin Initiative)
أما في 2026، فإن انخفاض المياه لم يعد احتمالاً ينتظر نهاية الموسم.
الموسم المطري نفسه جاء أقل من العام السابق، والنقص ظهر في النهر وفي محطات المياه والري.
وتقول مبادرة حوض النيل إن محطة الخرطوم على النيل الأزرق ومحطة الحلفايا على النيل الرئيسي سجلتا خلال يوليو وأغسطس مستويات مائية منخفضة بصورة استثنائية، تراوحت بين متر وأربعة أمتار دون مستوياتها الطبيعية.
وفي الخرطوم، أدى الانخفاض الشديد إلى التأثير في تشغيل مضخات سحب المياه لمحطات معالجة مياه الشرب، بينما أدى نقص المياه إلى تقييد إمدادات الري، وأثر في الزراعة ورفع مخاطر الأمن الغذائي. (Nile Basin Initiative)
ولا تقف الشواهد عند محطات القياس.
ففي سبتمبر، أظهرت مقارنة صور الأقمار الصناعية التي نشرتها الجزيرة بين سبتمبر 2025 وسبتمبر 2026 انحساراً واسعاً في الغطاء النباتي بولايات الجزيرة والنيل الأبيض والقضارف، مع جفاف في قنوات الري وضعف أو توقف عمليات الضخ في مناطق من الجزيرة. (الجزيرة نت)
ثم جاءت صورة النيل نفسه.
في تقرير مصور نشرته الجزيرة في 30 سبتمبر، ظهرت جزر رملية في مجرى النيل، وقال مزارعون إن المياه لم تعد تصل إلى أراضيهم كما كانت في مثل هذا الوقت من كل عام. وقال أحد المزارعين، البالغ من العمر 60 عاماً، إنه لم يشهد هذه الجزر طوال حياته. (الجزيرة نت)
هذه الجزر ليست وحدها دليلاً على الجفاف، لكنها تأتي متزامنة مع ما تقوله الأرقام ومحطات القياس وصور الأقمار الصناعية.
والأهم أن تقرير مبادرة حوض النيل يقول إن السودان وشمال جنوب السودان وأجزاء من إثيوبيا ينبغي أن تتوقع استمرار شح المياه خلال موسم أكتوبر–ديسمبر، في وقت لا يُرجح فيه أن تعوض أمطار هذا الموسم عجز يونيو–سبتمبر في السودان بصورة ملموسة.
وفي توصياته، يقول التقرير بوضوح: (مواصلة خطط الطوارئ الخاصة بالجفاف في السودان، وشمال جنوب السودان، ووسط وشمال إثيوبيا، حيث تسهم أمطار أكتوبر–ديسمبر بنسبة قليلة في الإجمالي السنوي، ومن غير المرجح أن تعوض بصورة ملموسة عجز موسم يونيو–سبتمبر). كما يدعو إلى مواصلة إجراءات المحافظة على مخزون السدود في منظومة النيل الأزرق، بما في ذلك سد النهضة والروصيرص وسنار ومروي، إلى حين موسم الملء التالي. (Nile Basin Initiative)
وبذلك لا يتحدث التقرير عن الجفاف باعتباره احتمالاً بعيداً، بل عن إدارة وضع مائي بدأ بالفعل، والاستعداد لاستمرار آثاره.
الآن حان وقت الاستعداد
في عام 2025، كانت الصورة مختلفة: أمطار أفضل، وتدفقات أعلى من الطبيعي، وتحذير من انخفاض محتمل بعد انتهاء الموسم.
أما في 2026، فهناك عجز مطري وقع بالفعل، وانخفاض في مناسيب النهر وقع بالفعل، وتأثر في محطات المياه والري، وتراجع في الغطاء النباتي، وجزر رملية تظهر في مجرى النيل.
لذلك فإن الدعوة الآن ليست إلى إعلان السودان بلداً دخل المجاعة، ولا إلى التنبؤ بفشل كامل للمحاصيل.
إنها دعوة إلى الاستعداد لاحتمال نقص الغذاء إذا استمر نقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي.
فالسودان يدخل هذه المرحلة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، التي أخرجت مساحات زراعية من الإنتاج وألحقت أضراراً بالبنية التحتية والخدمات ومحطات المياه والطاقة، ورفعت تكلفة تشغيل المضخات ونقل المدخلات والمحاصيل.
وهنا تختلف طبيعة الخطر.
ففي فترات سابقة، دار جزء كبير من النقاش حول تأثيرات ملء وتشغيل سد النهضة وتغير التدفقات.
أما هذه المرة، فلا يمكن اختزال الصورة في تشغيل السد وحده.
هناك شح في المطر نفسه.
أمطار أقل في السودان، وعجز مطري في أجزاء من المرتفعات الإثيوبية، وتدفقات أقل، ومناسيب أدنى، وموسم مطري انتهى دون أن يعوض النقص.
وتقول مبادرة حوض النيل إن تداعيات موسم يونيو–سبتمبر 2026 ضغطت بالفعل على إمدادات المياه والري والزراعة، ورفعت مخاطر الأمن الغذائي في السودان. (Nile Basin Initiative)
وهذا يعني أن السودان مطالب الآن بالتعامل مع المياه باعتبارها مخزوناً استراتيجياً: الحفاظ على المتاح، وإدارة الري، والاستعداد لاستمرار الشح.
الأكيدة: الخبر هذه المرة ليس أن الجفاف يمكن ان يقع في السودان.
الخبر أن شح المياه بدأ يظهر بالفعل في ظل حرب في السودان وشمال اثيوبيا معيدا شبح ١٩٨٣ !!




