تحت رعاية والي الخرطوم، وبدعم وتمويل من هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه، انطلقت جداريات أنفاق وجسور ولاية الخرطوم
ما شاء الله.. البلد في عز أزمة البنزين وغلاء الأسعار، والهيئة التي يفترض أن تصلح الطرق وتصرف المياه، قررت تشتغل (نقاشة)
بدأوا بنفق عفراء.. طلاء الجدران تمهيداً للرسم، بمشاركة وزير الثقافة والإعلام والسياحة الطيب سعد الدين، ومهندس مختار عمر صابر مدير الهيئة، وشباب التشكيليين الذين واصلوا العمل (رغم ارتفاع درجات الحرارة) كما جاء في الخبر ونحن نقول لهم: الله يعينكم على الشمس، ويعين المواطن على صف البنزين وحفر ومطبات الشوارع
الفنان التشكيلي ود الجاك شرح نظرية عميقة: وقال ( تصميم الجداريات يعتمد على الخطوط والألوان الانسيابية والحركة البصرية المتواصلة بما يتناسب مع طبيعة النفق وحركة المرور السريع بحيث يشعر المار بأن الجدارية تتحرك معه)
يا ود الجاك.. المار لا يشعر بالحركة البصرية، المار يشعر بحركة مؤشر البنزين وهو نازل نحو الصفر! عن أي مرور سريع تتحدث والناس واقفة بالساعات في الطرمبة؟
وقال ود الجاك من الأفضل تجنب رسم المناظر الطبيعية التفصيلية لأنها قد تشتت انتباه السائق خصوصاً مع السرعات العالية
سرعات عالية؟! يا أستاذ نحن سرعتنا القصوى الآن هي سرعة الدرداقة نحو السوق الأسود لنشتري جالون بنزين! السائق مشتت أصلاً.. مشتت بين يلقى بنزين وين، ويوصل أولاده المدرسة كيف، ويجيب حق العيش من وين
نحن لا نكره الفن.. ونحب شباب التشكيليين وندعمهم. لكن يا هيئة الطرق والجسور:
هل هذا وقت الجداريات؟
هيئة بتمويل مشروع تجميل، وفي نفس الوقت المواطن يصرخ من انعدام البنزين وغلاء الأسعار والحفر ؟ كان أولى بتلك الأموال أن تدعموا بها الوقود، أو تصينوا بها طريقاً مكسراً يأكل لساتك العربات!
بوهية بيضاء تكفي يا جماعة.. نظفوا النفق، ادهنوه أبيض، وخلوا قروش الألوان والرسومات لحل أزمة حقيقية. الجدارية لن تطعم جائعاً، ولن تحرك ركشة عاطلة.
والأغرب أن الخبر يقول: ( ضمن مسؤوليتها تجاه تجميل العاصمة) تجميل العاصمة؟ العاصمة مكلومة مجروحة، منهوبة، مركباتها مدمرة (19 ألف مركبة حسب لجنة الهيبة)، وأنتم تتحدثون عن تجميل؟!
جمّلوا حياة المواطن أولاً.. وفّروا له البنزين بسعر معقول، خففوا عنه الغلاء، وبعدها ارسموا له حتى الموناليزا في نفق عفراء.. سيقف ليتأملها وهو ممتلئ الخزان، مرتاح البال.
أما الآن.. فكل جدارية ترسمونها والمواطن واقف في صف البنزين، ستبدو له كلوحة سخرية.. ملونة بألوان زاهية، على خلفية رمادية من المعاناة.
سيناريو اخير
سادتي ان
التاريخ لا يذكر من رسم أجمل جدارية في زمن الحرب. التاريخ يذكر من أطعم الناس وخفف عنهم في زمن الحرب.
بوهية بيضاء كانت تكفي.. والباقي كان يكفي لحل أزمات نعايشها بوجع كل يوم في حياتنا اليومية التي اصبحت دوامات معاناة للمواطن
فهو يدفع فاتورة صبر باهظة الثمن اعينوة اعانكم الله ووفقكم وسدد خطاكم لمافيه خير البلاد والعباد




