بقلم: وداد الماحي
تستدعي التحركات الأخيرة في ملف العلاقات المصرية-السودانية التوقف عند طبيعة المعادلة الحاكمة للإقليم في الوقت الراهن. فالمسار بين القاهرة والخرطوم، وإن شهد عبر عقود تقلبات واختبارات معقدة، يمر اليوم بمرحلة إعادة ترتيب شاملة للسياسات والأولويات فرضتها التطورات الجيوسياسية المتسارعة في حوض النيل والبحر الأحمر.
مظلة أمنية في القرن الإفريقي
تأتي قمة العلمين والتنسيق الرباعي الممتد إلى إريتريا والصومال لتعكس انتقالاً ملموساً من أطر التعاون الثنائي التقليدية إلى بناء صيغ أمنية متكاملة. هذا التمدد الإقليمي نحو القرن الإفريقي لا يُقرأ بوصفه استجابة لظرف طارئ فحسب، بل هو تحرك استراتيجي لإغلاق الفراغات الأمنية أمام التمددات المنافسة، وتأمين الملاحة عند باب المندب، بما يحمي حركة التجارة القادمة نحو قناة السويس، ويقطع الطريق أمام تحويل المنطقة إلى مسرح لحروب النفوذ بالوكالة.
تكامل الموقف المائي
وعلى صعيد ملف سد النهضة، تُظهر الملازمة بين الموقفين المصري والسوداني إدراكاً متزايداً لمخاطر السياسات الأحادية. إن التمسك المتبادل بضرورة التوصل إلى أطر متفق عليها والتنسيق المسبق يخرج عن كونه مجرد سجال سياسي؛ ليغدو ركيزة للحفاظ على التوازنات المائية والبيئية التي تقوم عليها حياة الملايين في دولتي المصب.
الاقتصاد والاستقرار الميداني
غير أن الاختبار الحقيقي لاستدامة هذه التوافقات يظل مرهوناً بالمجالين الاقتصادي والميداني؛ إذ إن دعم مؤسسات الدولة الوطنية السودانية والحفاظ على تماسكها يُمثلان الضمانة الأولى لاستقرار الحدود ومنع الأزمات الإنسانية. بالتوازي مع ذلك، يشير استقرار التبادل التجاري قرب المليار دولار، والتوسع في المشروعات الزراعية المشتركة، إلى رغبة جادة في تحويل ملف الأمن الغذائي إلى خطة عمل واقعية تمتص صدمات سلاسل الإمداد العالمية.
رهان المستقبل من العلمين
إن التحديات الراهنة تشبه إلى حد كبير “مطبات الطريق” التي تجبر أصحاب القرار على إعادة تقييم الاستراتيجيات وتعديل المسارات. وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار اليوم إلى قمة العلمين وآفاق تنسيقها الرباعي، كخطوة إيجابية نحو تحويل هذه التوافقات الاستراتيجية إلى واقع ملموس يحمي مقدرات الإقليم؛ وكلنا أمل في أن تشكل هذه القمة نقطة تحول حقيقية وتتوج بالنجاح الكامل، بما يعزز الاستقرار ويخدم تطلعات الشعوب وركائز أمنها المشترك.




