*مفتاح المدى.. حكاوي من زمن الحرب قم للمعلم وفّه التبجيلا …كاد المعلم أن يكون رسولا بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

في الخامس من أكتوبر من كل عام، يمر علينا عيد ليس ككل الأعياد؛ عيدٌ مميز اسمه عيد المعلم.
والمعلم في بلادي له تاريخ وطعم خاص؛ فهو المعلم والأب والصديق والأخ، وهو في كثير من الأحيان أول من يفتح أمامنا نافذة نطل منها على العالم.
وللمعلم السوداني أثر تجاوز حدود الوطن، وامتد إلى أشقائنا في الدول المجاورة والدول العربية. فكم من سعودي ويمني وعُماني وغيرهم، يحمل في ذاكرته ذكرى معلم سوداني أسهم في تكوينه وصياغة مستقبله، وكان له قدوة في سنوات التكوين الأولى.
أما نحن، فقد كان تأثير المعلمين علينا أعمق من أن تحيط به الكلمات. تحية لكل معلم مرّ على مراحل حياتنا، وترك ذكرى محفورة على جدران القلب والعقل معاً.
شكراً لأساتذتي في أولى أيام حياتي، الذين علموني كيف أنطق حرفاً، وأتلو آية، وأحفظ قصيدة.
شكراً لجدران مدرستي ( وسط المدينة ) بحي الأقراريق بمدينة بورتسودان الحنينة، وشكراً لأساتذتي بمدرسة (23 ) بحي الصحافة غرب في الخرطوم. وشكراً لمدرسة (البرامكة) بدمشق، ولأستاذتي حياة التي لم تشعرني بالغربة يوماً.
وشكراً لمدرسة ( شيخ مجذوب) بدامر المجذوب؛ حيث علمني أستاذي محمد الماحي كيف أحسب وأجيد الرياضيات، وعلمني أستاذي عبدالله رضوان كيف أعرب وأجيد التجويد.
ثم تمر الذاكرة بمدرسة الصحافة مربع 16، ومعهد صلاح، والأهلية المتوسطة بحري، ثم مدرسة بحري الحكومية في المرحلة الثانوية، حيث بدأ الفكر ينضج، وبدأنا نكتشف أنفسنا والحياة.
هناك أسماء لا تزال حاضرة: د. عمر النقر، والأستاذ حيدر، والأستاذ آدم الذي علمني كيمياء البشر قبل كيمياء المواد، وأستاذي الغالي عباس الذي علمني أن الجاذبية ليست فقط بين الأجسام، وأن كثيراً من قوانين الفيزياء يمكن أن نجدها في تفاصيل حياتنا.
ثم جاءت سنوات الجامعة، وبرزت أسماء أخرى ما زالت تعلمنا حتى اليوم : د. نوال، د. عبدالله التوم، د. عبدالقادر، سعيد، خالد، ود. حولي الغالي على القلب والنفس.أسماء كثيرة، وأصدقاء كثر، عرفناهم في سني الدراسة وثنايا كل مرحلة.لكن وسط كل هذه الأسماء، هناك اسم لا يمكن لذاكرتي أن تتجاوزه.
معلمي الأول.
وصديقي وأخي، ذلك الذي عرفنا من خلاله أول حرف، وعلمنا كيف نعمل وكيف نعطي.
إنه…
أبي (رحمه الله.)
لم يكن يكتب لنا دروس الحياة على السبورة، لكنه كان يكتبها في سلوكه.
لم يكن يحدثنا كثيراً عن العطاء، لكنه كان يعطي.
ولم يكن يحتاج إلى أن يشرح لنا معنى المسؤولية؛ فقد كنا نراها في كتفيه، وفي طريقته في الحياة.
كبرنا، وفهمنا متأخرين أن بعض الآباء لا يدرّسون أبناءهم بالكلمات، وإنما يدرسونهم بأيامهم وسيرتهم.
هكذا يكون الإنسان.
ولهذا، فإن المعلم الحقيقي لا يغادرنا حين يغادر الدنيا؛ يبقى في طريقة كلامنا، وفي قراراتنا، وفي أخلاقنا، وفي الأشياء الصغيرة التي نفعلها دون أن ندري من أين تعلمناها.
ثم جاءت الحرب والحرب لا تهدم البيوت وحدها؛ إنها تهدم خرائط الذاكرة أيضاً.تقتلع الإنسان من مدرسته، ومن شارعه، ومن مقعده، وتبعثر الكتب والفصول والأحلام.لكنها، رغم ذلك، لا تستطيع أن تهدم ما زرعه المعلم في العقول والقلوب.
وفي زمن الحرب أدركنا أكثر قيمة المدرسة، وقيمة الكتاب، وقيمة المعلم.أدركنا أن المدرسة لم تكن جدراناً، وأن المعلم لم يكن موظفاً، وأن الكتاب لم يكن مجرد أوراق.فالمعلم في زمن الحرب لا يعلّم فقط؛ إنه يحرس الذاكرة، ويصنع الأمل، ويهيئ جيلاً يستطيع أن يعيد بناء ما تهدم.وقد تبدأ إعادة بناء الوطن من فصل دراسي، ومن طفل يمسك قلماً، ومن معلم يقول له:لا تخف… مستقبلك لم يُهدم.
لهذا، حين يأتي الخامس من أكتوبر، لا أتذكر المعلمين فقط، بل أتذكر جزءاً من حياتي.أتذكر المدن والمدارس والفصول والأصدقاء، وأتذكر أولئك الذين مروا في حياتنا وتركوا أثراً لم تستطع السنوات أن تمحوه.وأتذكر أبي، معلمي الأول، فأشعر أنني مدين له ولهم جميعاً بأكثر مما تستطيع الكلمات أن تسدده.مدين لهم بالحرف الأول، والقصيدة الأولى، والآية الأولى، وبكل حلم بدأ صغيراً ثم كبر معنا.

( مفتاح المدى)…..
فالمعلم لم يكن مجرد من أعطانا مفتاح العلم، بل كان من فتح لنا أبواباً لم نكن نعرف أنها موجودة، وأخذ بأيدينا إلى آفاق لم نكن نراها.وكلما اتسع المدى أمامنا، اكتشفنا أن اليد التي أمسكت بأيدينا في البداية كانت يد معلم.
أول الطريق كان معلماً،
وأول الحلم كان معلماً،
وأول المدى كان معلماً.
رحم الله أبي، معلمي الأول.
ورحم الله كل معلم رحل عن دنيانا، وحفظ الله كل معلم ما زال يحمل رسالته رغم التعب والحرب والظروف.
لكم التحية…
ولكم الوفاء…
ولكم في القلب مكان لا تصل إليه يد النسيان.
وكل عام وأنتم مفتاح المدى.
ونواصل …. mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة