(أنشر في يوم استقلالنا بعض فصل من كتابي “الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر” لنقف على العنف الذي “سمكر” به الإنجليز دولتهم في السودان وغير السودان. وأدين بهذا التحليل لقراءة في التسعينات لفرانز فانون المفكر المارتنيكي صاحب “معذبو الأرض” الذي ما يزال تحليله للاستعمار مما يملأ الدنيا ويشغل الناس في دراسات ما بعد الاستعمار. كما أدين في المبحث للدكتور كارولين فلوهر-لوبان وكتابها عن الشريعة في السودان التي جاءتها ماركسية، ولكن بعقل كبير. وكتاب “الشريعة والحداثة” هو تعريب جزئي لكتابي في الإنجليزية “الهذيان المانوي: تفكيك القضائية الثنائية الاستعمارية والتجديد الإسلامي في السودان، 1898-1985″ (دار بريل 1985). ويجده الراغب في أمازون ومن طلبه ميسراً اتصل بي في الخاص”.
تدين الدراسات الرشيقة المعاصرة عن الاستعمار بفضل كبير لآراء فرانز فانون – الطبيب النفساني المارتينكي الأصل – الذي ألهمته هبة الجزائر في الخمسينات ثورته على الاستعمار التي فصلها في كتبه الذائعة مثل معذبو الأرض (1961) وسحن سوداء واقنعة بيضاء (1952). ويشقق الباحثون بشغف كبير نظرته إلى الاستعمار كأصل في «هذيان الثنائية» الذي يصيب البلدان المستعمرة. فما يحل الاستعمار ببلد حتى يشقه إلى فضاءين: الفضاء الأوربي الذي له الأمر والقوة ومستودع القيم المستقبلية، وفضاء «الأهالي» المغلوب على أمره، المستضعف ومستودع القيم الآفلة. وقد وصف فانون هذا العالم «المزدوج” بأنه مانوي نسبة إلى ماني، صاحب الديانة الفارسية التي تعتقد في انقسام العالم إلى مفردات شر وخير وظلام ونور، يدور بينها صراع درامي أزلي.
ويقول فانون إن الفضاءين الأوربي والبلدي متعارضان من غير سعى من جانبيهما لبلوغ أي شكل أعلى من الوحدة. فالصلح بينهما من ثالث المستحيلات لأن الفضاء الأوربي طفيلي. وهو يحذر مثقفي المستعمرات من مغبة التماس مثل هذا الصلح لأن مصير الفضاء الطفيلي المحو والهلاك.
وما وطئت أقدام الاستعمار السودان حتى أسفر الفضاءان: الإفرنجي والبلدي عن وجيهما في كل مناحي الحياة من تصنيف المدن حتى أنواع الأحذية.
فقد ردت الإدارة الاستعمارية الاعتبار لمدينة الخرطوم، حاضرة دولة الأتراك (1821 – 1885)، التي قُتل فيها غردون باشا – حكمدار السودان الإنجليزي بُعيد بدء ثورة مهدى السودان في 1881. فجعلتها عاصمة للبلاد في حين قررت محو مدينة أم درمان – حاضرة دولة المهدية التي تقع عبر النيل الأبيض من الخرطوم – وإفراغها من «أفواهها اللامجدية». ففي حين كانت الخرطوم، حتى خلال الغزو مسرحًا لطقوس الذكرى والتبجيل للقديس غردون، كانت أم درمان عرضة للقصف والتأديب وتبخيس قدر القديس الكاذب: المتمهدي. فقد صب الغزاة جام نيرانهم على قبة المهدي. فحين انشقت بفضل القصف ذهل الناس وكفوا عـن التهليـل وحـتى الخيــل صمتت عـن الصــهيل كمـا قال بابكر بدري في تاريخ حيـاتي (1961). ثم توالى قصفها حتى سويت بالأرض وقذفوا بما تبقى من جثة المهدى في النيل، واحتفظ كتشنر برأس المهدي. وحتى ونستون شيرشل، الضابط في الحملة لغزو السودان ومؤلف حرب النهر، عاب على كتشنر هذا الاستخفاف بقداسة الموت وقال: إنه من سوء طالع السودان أن أول أعماله غزاته المتحضرين وحاكمه الحالي هو أن تُمسح بالأرض البناية المرتفعة الوحيدة فوق هذه المنازل الطينية الواطئة.
وعَبْر النهر في الخرطوم، وفي اليوم الثالث للغزو، كانت طقوس تبجيل غردون تجرى على قدم وساق. ففي خرائب قصر حكمدار السودان، حيث قتل غردون، انعقد قداس، عُزف فيه السلامان البريطاني والمصري، ورفع فيه علما دولتا الاحتلال: بريطانيا ومصر وتليت الصلوات والأناشيد وآيات الإنجيل لروح غردون. وصحب إعادة بناء الخرطوم تجاوزات لم يقبل بها حتى الرأي العام الإنجليزي. فقد أصر كتشنر أن تواصل القطارات نقل مواد البناء للخرطوم في حين كانت الحاجة ماسة لاستخدامها لنقل المؤون إلى المديريات التي ضربتها المجاعة.
وسار على «أم درمان» منذ ذلك الحين اسم «العاصمة الوطنية». وقس على ذلك انقسام سوق الخرطوم إلى «أفرنجي» و «عربي»، وحاكة السوق إلى «أفرنجي» و «بلدي»، ودور التعليم إلى «مدارس» و «خلاوي القرآن» أو «كلية» و «معهد ديني». وتحول هذا المعمار المانوي إلى عقيدة. فالانتقال من الفضاء البلدي إلى الإفرنجي لا يتم إلا بتأهيل وطقوس. فقد ذكر محمد إبراهيم أبو سليم أنه لما عاد اسماعيل الأزهري، أول رئيس وزراء سوداني، من بعثته من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1930 خلع جبته وتزيأ بالبدلة الإفرنجية. ولم يعد الناس يخاطبونه بـ «شيخ إسماعيل» بل بـ «إسماعيل أفندي».
وكان الشاعر عبد الله عبد الرحمن قد داعب الأزهري في حفل وداعه قبل سفره حول مسألة الزي هذه حين توسط الأزهري الحفل بجبته وطربوشه المغربي. وقال الشيخ عبد الله:
يا ليت شعري إن أتى عائدًا وقد رمى القفطان في زاوية
يظلّ في بذلته رافلاً أم يستعيد الجبة الزاهية؟
ارجع لما كنت فيما مضى شيخًا له أثوابه الضافية
ولم ينتصح الأزهري الذي ما عاد حتى “رمي القفطان في زاوية” ورفل في بدلة اختار لها قماش الدمور البلدي في أحيان كثيرة.
وبلغ هذا المعمار المانوي أحيانًا حد الهذيان والسخف. فقد فَرَّق الاستعمار حتى بين الأحذية. فالإفرنجي فيها «جزمة» والبلدي فيها «مركوب» ولبسهما محكوم بأعراف. فقد ذكر الطيب بابكر «المتظاهر» – لكونه من الذين شاركوا في مظاهرات ثورة 1924 ضد الإدارة الاستعمارية – أن الاستعمار أجبر الأعيان السودانيين على خلع «مراكيبهم» قبل دخول مكاتب الإداريين البريطانيين في حين كان بوسع لابسي «الجزم» من المتعلمين السودانيين الدخول بأحذيتهم. وقد روى يوسف بدري، عميد كلية الأحفاد الجامعية، هذه الواقعة من ذكريات صباه وتلمذته في المدارس الحديثة، وهي غاية في عقيدة الاستعمار المانوية وابتذالها. فقد لبس يوسف على عهد الطلب «جزمة» ولقيه مفتش المركز فاستكثر المفتش عليه ذلك، ورده إلى داره ليلبس مركوبًا يعود به إلى المدرسة. وحين بلغ يوسـف المدرسة بمركوبه وجد مفتش المركز قد استعرض المدرسة في طابور يفتش أحذية التلاميذ. فمن وجده بـ «جزمة» طرده حتى يحتذي مركوبًا ومن وجده بـ «مركوب” استبقاه.
وطفح هذا المعمار المناوي في حيز الثقافة في مرفقين هما المعارف والقضائية. أما التعليم فقد انقسمت المدارس فيه إلى حديثة تدرس العلوم العصرية وأخرى تقليدية في معاهد علمية تدرس علوم العربية والدين الإسلامي وسنفصل الأمر في الفصل السادس. وانقسمت القضائية إلى قسم مدني وآخر شرعي. فالقسم الشرعي، الذي اختص بتطبيق الشريعة الإسلامية في أحوال المسلمين الشخصية وفقًا لقانون صادر في 1902، نشأ أيضًا في سياسة الفضاءات لترك ما للأهالي للأهالي خشية استفزازهم. والقسمان، في نظر مولانا عبد الرحمن شرفي، ليسا مجرد تخصصات قانونية، ولكنهما عالمان منقطعان. فالقضاء المدني عصري قائم على نظر وإجراءات دقيقة بينما يطل عليك القضاء الشرعي وكأنه أثر من القرون الماضية. فمحاكم الشريعة عندنا لم تكن بحال هي الشرع أو محاكمة، بل هي الشريعة ومحاكمها كما أراد لها الإنجليز أن تكون. وقد رتب الاستعمار الجزاء بحسب الانتماء إلى أي من القضاءين. فقال مولانا صديق عبد الحي (1/8/1991)، أن الاستعمار قدر مرتبًا للقاضي الشرعي ومدرس اللغة العربية وخريج المعهد الديني أقل من صنوهم في القضاء المدني ومعلم المواد الحديثة. وكان يحضر لقاءنا مفتي سابق ما ذًكِر الإنجليز حتى قال: عليهم اللعنة. ومن زاوية اللغة كان القسم الشرعي إقليمًا تسود اللغة العربية في تعليم القضاة ولغة المرافق والحكم بينما كانت اللغة الإنجليزية هي شارة فخر القسم المدني من القضائية ورمز سيادته.
يعد العلمانيون المتأخرون وجمهرة من الباحثين نشأة وإنجاز المحاكم الشرعية، التي أنشأها الاستعمار في بداية هذا القرن للفصل في مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين، آية في توفيق سياسة الإدارة البريطانية في السودان في الكف عن التدخل في شؤون رعاياها المسلمين. ووجد العلمانيون خاصة توفيق الإنجليز بفصل الدين عن الدولة سابقة أو تقليدًا للاحتذاء في بناء دولة ما بعد الاستعمار العلمانية. ونادرًا ما عرّض أولئك العلمانيون هذا الزعم الاستعماري باحترام الإسلام إلى الشك العلمي الذي يأخـذ بعين الاعتبار خطـاب الجماعة ذات الشوكة عن مآثرها بغير عجلة أو تأمين.
فالقول بعناية الاستعمار بأي مظهر فكرى لرعاياه، في ظل معارفنا المتجددة عن القوة والضبط الثقافي، التي عممها ميشال فوكو وإدوارد سعيد، لا يخلو من شُبه سياسة أملته على قائلة أولاً وعلى من ردده أو صدقة ثانيًا. وقد نبهت كارولين فلوهر لوبان في كتابها المميز، “الشريعة والمجتمع في السودان” (1987) إلى سياق الجبر الاستعماري الذي نشأت فيه قوانين الشريعة. وأظهرت مع ذلك استحسانًا لمساهمة الفكر الشرعي كما سيرد في الفصل التالي من الكتاب. فعلى تأمينها على الضغوط التي مارسها الاستعمار ليصبغ الشريعة بنظرته إلا أنها أثنت على مبادئ الشريعة مثل التخيير والتلفيق واعتبار المصلحة التي انتهت بالقضاة الشرعيين إلى قوانين مستنيرة وتقدمية للأحوال الشخصية وإلى تطبيق إنساني رفيع لها.
وأول مظاهر الجبر الاستعماري هذه هو ما خوله الاستعمار لنفسه ليقرر منزلة الشريعة في حياة رعاياه المسلمين. فقد قصرها على أحوالهم الشخصية من زواج وطلاق وميراث ونفقة وحضانة ووقف ونفاها عن حياتهم العامة في ضروب المعاش الأخرى. وهو قرار عشوائي ينم عن امتلاك وممارسة للقوة السياسية أكثر من كونه رأيًا صالح في قصور الشريعة في الفصل في المسائل المدنية والجنائية كما ورد في الفصل الماضي. وهكذا برزت المحكمة الشرعية لحيز الوجود بقانون أعرج للفصل في المسائل الشخصية لجماعة مغلوب على أمرها. وقد سماها المرحوم محمود محمد طه «محكمة ملية» أي أنها محكمة أهل ملة أو ديانة مستضعفة. وقال خلف الله الرشيد، رئيس القضاء في أكثر السبعينات وبعض الثمانينات، إن الشريعة كانت في نظر الإنجليز عرفًا للمسلمين، وأُخضعت لما تخضع له الأعراف فهي تطبق فقط إذا لم تخالف القانون أو الطبيعة الإنسانية أو قانونًا محليًا نافذ المفعول.
لقد قبل فكرنا القانوني العلماني حقائق القوة التي عطلت حكم الشريعة في غير الأحوال الشخصية بغير اشتباه. فمنصور خالد مثلاً مطمئن للغاية إلى أن القانون السوداني لغير الأحوال الشخصية، المستمد من اللوائح والسوابق القضائية الإنجليزية والهندية، قد قارب عدل الشريعة أو قصر دونه بقليل. فحين تناول إنجاز اللجنة التي كونها الرئيس نميري في 1977 لمراجعة القوانين السائدة في البلاد آنذاك حتى تتناسب مع تعاليم الدين الإسلامي، ذكر، بغير قليل من المباهاة، أن اللجنة لم تجد غير 12% من تلك القوانين أما تعارضت أو حوت شبهات إيدلوجية معارضة، أو اشتملت على مواد مخالفة للشريعة. وهذا منطق إحصائي مشكوك النفع في خطاب الذهن الديني الذي يعتقد في وحدة شِرعته والتي ينهار بنيانها المرصوص إذا تداعى حجر فيها ناهيك أن يكون هذا الحجر كبيرة من الكبائر كإباحة الربا والخمر أو الميسر في قانون المستعمرين الموروث.
ونواصل




