*دارفور تُغلق الدائرة… العدّ التنازلي لدفن مشروع الدم*

لم يعد حصار المليشيا في دارفور احتمالًا ولا أمنية مؤجلة ولا مادة للمساومة السياسية بل حقيقة صلبة تتقدّم كل ساعة كحجر قبر يُسحب ببطء فوق مشروع دموي إنتهى وقته ما يجري ليس جولة عسكرية ولا تبدّل موازين مؤقت بل لحظة تصفية تاريخية مع كيان عاش على النهب وتغذّى على الإبادة وتوسّع بالاغتصاب وحكم بالخوف
دارفور التي أرادوها ساحة مفتوحة للتجريب على الإنسان مختبرًا للقتل المجاني ومزرعة للنساء والأطفال تتحوّل اليوم إلى مسرح الحساب الأخير هناك حيث بدأ الدم لا تُكتب النهاية بخطابات ولا بهتافات بل تُكتب كما يجب أن تُكتب بقرار بارد وصمت ثقيل وإغلاق بلا رجعة لا استعراض لا تفاوض على المعنى ولا فرصة لإعادة تدوير الجريمة.
اكتملت الترتيبات الأخيرة لأن الصبر بلغ مداه ولأن التأجيل صار خيانة إضافية هذا الصمت الذي يسبق العاصفة ليس فراغًا بل تراكم الدم قرى مُسحت أجساد دُفنت بلا قبور نساء حملن الذاكرة بدل العدالة وأطفال تعلّموا الجوع قبل النطق هذه ليست حربًا تُدار بل جريمة تُغلق.
المليشيا اليوم محاصَرة ليس بالجغرافيا فقط بل بالسقوط الكامل حلفاء تخلّوا أكاذيب انكشفت تمويل جفّ ورهان الوقت مات. خطاب قوة الأمر الواقع تحوّل إلى سخرية سوداء وخطاب “وقف الحرب انفضح كصرخة غريق لأن من أشعل النار لا يطالب بالماء إلا حين تحاصره ألسنة اللهب هذه ليست لغة سلام هذه لغة هزيمة
والمفاجأة ليست في أن التحرير بات وشيكًا بل في من يحمل مفاتيحه قادة ليسوا واجهات ولا صُنّاع ضجيج ولا تجّار شعارات. قادة أثبتوا وزنهم تحت النار في حصار الفاشر وفي غيرها يعرفون أن دارفور ليست جبهة تُصوَّر بل جرح وطني لا يُغلق إلا بالعدل. هؤلاء لا يقاتلون من أجل صورة نصر بل من أجل إغلاق حساب دموي مع مشروع ظنّ أن الإفلات من العقاب قدر دائم.
وفي قلب هذا المشهد يتوسّل ناظر الرزيقات ألّا يجتاح الجيش الضعين يتوسّل وهو يعلم قبل غيره أخلاق الجيش في الحروب ويعلم أن هذه المؤسسة رغم كل ما يُقال عنها لا تجعل المدنيين هدفًا ولا تُدير المعارك بعقيدة الانتقام. لذلك فالتوسّل ليس خوفًا على الأبرياء بل خوفًا من فتح الملفات من لحظة الحقيقة من سؤال لا مهرب منه من سلّح؟ من جنّد؟ من حرّض؟ من غطّى؟ من بارك؟ من صمت وهو يرى المدن تُحرق والنساء تُغتصب والأطفال يُجوَّعون؟ هنا لا عمامة تنقذ ولا وساطة تشفع ولا خطاب حكمة يُطفئ نار الذاكرة.
لسنا دعاة ثأر أعمى ولا نبحث عن جريمة بجريمة نعم البادئ أظلم لكن النهاية يجب أن تكون أنظف من البداية لأن ما سيبقى ليس نشوة غضب بل سجل أمة دولة تعود بالقانون لا بالعصابات بعدالة لا تفلت ومساءلة لا تُسوّى لأن أي نهاية بلا حساب ستلد دمًا جديدًا.

ومع سقوط هذا المشروع يجب أن تُقال الحقيقة بلا تجميل باي باي آل دقلو لا التواء لغوي ولا دبلوماسية باردة إلى مزبلة التاريخ حيث تُرمى المشاريع التي بُنيت على الدم وانتهت بالعار وفي المزبلة ذاتها وبالتوقيت ذاته تذهب أحزاب قحت وكل من أضرم النار وكل من دعم وكل من بارك وكل من حرّض وكل من صمت وراهن على الخراب كطريق مختصر للسلطة لا بيان متأخر يُنقذ ولا شعارات ثورية مغشوشة تمحو التواطؤ.
دارفور اليوم لا تنتظر مؤتمرات ولا قلقًا دوليًا معلبًا تنتظر إغلاق الفصل الأسود الذي كُتب بالرصاص والاغتصاب والحصار والتجويع وحين يبدأ التحرير الكامل لن يكون إعلان حرب بل إعلان وفاة مشروع وتشييعه إلى الأبد بلا شفقة بلا عودة وبلا فرصة لإعادة إنتاج الخراب بعدها يبدأ الامتحان الأخطر ضبط السلاح لأن أخطر ما بعد المليشيا ليس تمردًا جديدًا بل ثأر قبلي سمّمته المليشيا عمداً
من دارفور تُغلق الدائرة
من دارفور يُكتب الحكم الأخير
والرسالة للسودان كله واضحة وقاسية احتضان المليشيات جريمة تبريرها خيانة والصمت عنها شراكة وما دون العدالة إلى المزبلة

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole