أمريكا باعتبارها الدولة القطبية المهيمنة، يعتمد منهجها في د الهيمنة على هذا الاقليم، لا على السيطرة المباشرة، وانما على الاعتماد على بعض دول المنطقة التي تختارها بعناية و بمواصفات دقيقة، بما يمنع أن تحيد هي نفسها عن الدور المرسوم لها أو أن تحاول تشكيل قوة إقليمية مستقلة ممانعة أو مضادة للنظام الدولي الذي تقوده أمريكا.
وفق هذا المنهج، فإن أمريكا تختار دولة واحدة تقوم بدور الدولة الاقليمية المركزية. كما تختار دولة أخرى في المرتبة الثانية لتقوم بدور الدولة الاقليمية الوظيفية. الدولة الاقليمية المركزية مهمتها ضبط الاقليم و منعه من الإنفلات. و مواصفاتها أن تكون ذات ثقل جغرافي و ديمغرافي و تاريخي و حضاري و استقرار سياسي و شرعية تاريخية بالاضافة الى المقدرة المالية و العسكرية و القبول بين دول الاقليم الأخرى. أما الكيفية التي تؤدي بها هذه المهمة فهي امتصاص الصدمات، إدارة التناقضات، التدخل العسكري عند الضرورة. في هذا الاقليم، فإن السعودية هي الدولة المثالية التي انطبقت عليها جميع هذه المواصفات، لا تنافسها في ذلك دولة أخرى.
أما الدولة الاقليمية الوظيفية، فهي مجرد أداة تشغيل مرنة. ومن أهم الصفات التي جعلتها في المرتبة الثانية أنها تفتقر للثقل الجغرافي و الديمغرافي و الثقافي، و المكانة الاقليمية باعتبارها عيوبا خلقية دائمة غير قابلة للمعالجة تحول بينها وبين طموح الصعود الى المرتبة الاولى مما يجعلها في وضع نفسي اقرب الى الشعور بعقدة الدونية. لكنها تعوض عن ذلك بالثروة و بناء الشبكات العابرة للقارات، و بسرعة الحركة و بالاستعداد للقيام بكل الأدوار المطلوبة منها، بحماس أقرب الى التهور. لذلك يتم تكليفها بتنفيذ أهداف أو سياسات عالية المخاطر عبر مسارات غير مضمونة. في هذا الاقليم، فإن الأمارات هي الدولة المثالية التي انطبقت عليها جميع هذه المواصفات لا تنافسها في ذلك دولة أخرى. انجزت الأمارات الأدوار المطلوبة منها، و سُمح لها بالتمدد، و نالت الحماية، و تمادت كثيرا خارج الحدود المقبولة داخل الاقليم. فتحولت بنفسها الى لاعب مستقل صاحب طموح و نفوذ مستقل، و أنشأت الكيانات الموازية، و حققت مكاسب سريعة، إلا أن حماسها و اندفاعها كان يحمل في داخلها جرثومة الفناء. بل تجاوزت الدولة الاقليمية المركزية و صارت مهدد وجودي لها. في هذه الحالة تحولت الامارات من أداة تنفيذية الى خطر استراتيجي، تأنت الدولة المركزية في كبحها و مواجهتها، مما حتم عليها التشاور في أمرها مع الدولة القطبية أو حتى أخذ الإذن للتعامل المباشر، خلال زيارة ولي العهد السعودي الى أمريكا كما صرح بذلك الرئيس ترامب. كانت المفاضلة واضحة أمام أمريكا، إما التضحية بالأداة أو بالضابط و الوازن الإقايمي، فاختارات الخيار الاول. و تم رفع الغطاء و الحماية، حزئيا، و تركت الأمارات لتواجه مصيرها في الاقليم. مما جعلها لاحقا تتحمل عبئ التجاوزات المتعلقة بالقوانين الدولية و المسماوية فيما يتعلق بهذا الملف و بالتأكيد سيؤثر تدريجيا على ملفاتها الاخرى مثل الاستثمار و السياحة و غيرها. و فتحت عليها أبواب المواجهة والخسارة من عدة اتجاهات فتم طردها من اليمن و الصومال و جيبوتي و الجزائر و ارتريا إلا أن خسارتها الأكبر كانت في السودان.
على ذكر السودان، نسميه هنا المستوى الثالث من الأدوار، لا مركزية و لا وظيفة و لكنه كان دولة كاشفة و مربكة. رغم تصنيفها بأنها دولة ضعيفة، إلا أن الدور الذي قامت به كان كاشفا لعورات و تناقضات الثنائية غير الحقيقية و غير المجدية في لعبة الضبط و التخريب داخل الاقليم. بل تمادى السودان أكثر من ذلك و تحرك خارج حدود (صموده الداخلي و عناده في رفض الانهيار و الاستسلام، و صبره الاستراتيجي و الياته التي أخذت رمز الإبرة في استنزاف سياسي و أخلاقي و اعلامي لدور الامارات)، الى تنسيق الجهود الاقليمية لإعادة التوازن و التموضع بين دول الاقليم، عبر ضغط الاعلام الشعبي و الزيارات المكوكية للمجهود الرسمي و البيانات النارية الصادرة عقب كل زيارة لدول المنطقة. فنقل هذا التحدي من الهامش الى المركز، و من التنسيق الثنائي الى مشروع اقليمي، ومن الاتهامات الشعبية الى المواجهة العلنية مع الأمارات عبر تحالف مكتمل الاركان.
تكمن قيمة الدور السوداني في التطورات الجارية في الاقليم، أنه تجاوز دور الدولة الاقليمية الضحية، بل في انه استطاع اعادة تعريف دور الدولة الضعيفة، و اعاد تعريف صمود الشعوب مقابل تاثير القوى الرسمية الفاعلية دوليا و اقليميا، و أعاد رسم خريطة الفاعلين باضافة عوامل جديدة، لم تكن لتأخذ وزنها لولا ما قام به السودان. لا نقول أن مكانة السودان الاقليمية قد جرى عليها أي تغيير، و لا نقول أنه يقود تحالفا، ولكنه بكل تأكيد قام بمجهودات جبارة داخلية، غيرت مجريات الاحداث في الاقليم و كانت كافية لكشف التناقضات و ارباك التحالفات و بالتالي كان لها الأثر الأكبر في إعادة تشكيل المحور الإقليمي، دون أن يقوده أو يتصدره السودان. و ما يعزز من موقف السودان هو انضمام أمام دول صديقة له بهذا الحلف مثل تركيا و قطر و مصر.




