في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من يناير، تمر خمسة عشر عامًا على رحيل أحد أنبل من عرفهم السودان من العلماء الأجانب: البروفيسور الهولندي مارتن ديوريو، الذي غادر عالمنا في 15 يناير 2011 بعد حياةٍ امتدت أربعة وثمانين عامًا كانت مكرسةً للعلم والعطاء الإنساني اللا محدود.
لقد كان مارتن بحقّ “ابن السودان البار” كما وصفه محبوه، إذ ترك وراءه آثارًا لا تُمحى من البذل العلمي، والوفاء الإنساني، والعلاقة النادرة التي ربطته بجامعة الخرطوم وأساتذتها وطلابها على مدى أكثر من ثلاثة عقودو نصف.
من كاتفايك إلى الخرطوم
وُلد السيد مارتن ديوريو في الثامن والعشرين من مارس عام 1926 في قرية كاتفايك الهولندية الوادعة على ساحل بحر الشمال، على بُعد خمسين كيلومترًا جنوب أمستردام، وعشرين كيلومترًا شمال لاهاي. نشأ في أسرةٍ متدينةٍ متماسكةٍ مكوّنة من أربعة أطفال ولدين و بنتين، فقد اثنتين من شقيقاته في طفولته، بينما عاش شقيقه الأكبر حتى التسعينيات من عمره.
كانت قرية كاتفايك – رغم صغرها – رمزًا للثبات القيّمي في بلدٍ عُرف بتحرّره الكبير في القارة العجوز ، وظل مارتن وفيًّا للسكن في قريته حتى وفاته ؛ يسكن البيت نفسه طوال حياته ، يحتفظ فيه بذاكرةٍ مادية وروحيةٍ تمتد لأجيال، حتى ليخال الزائر له في أنه يعبر بوابة زمنٍ قديمٍ من البساطة والجمال الهادئ.
عالم الفيزياء الزاهد
درس مارتن الفيزياء في جامعة لايدن التي تبعد عن منزله حوالي 17 كيلومترا ، وكان يقطع المسافة إليها يوميًا على دراجته الهوائية، وظل يفعل ذلك حتى تجاوز الثمانين من عمره! نال الدكتوراه في علوم القياس الفيزيائي (Metrology)، وتدرّج في سلك التدريس حتى صار من كبار أساتذة الجامعة، وأحد أبرز المتخصصين عالميًا في مجاله.
زيارته لطالبه الأول وبداية الصداقة مع جامعة الخرطوم ، في مطلع السبعينيات، قام البروفيسور مارتن بزيارةٍ مؤثرةٍ إلى جامعة الخرطوم للقاء طالبه القديم الدكتور زكريا الحاج علي، الذي كان أول من أشرف عليهم في مرحلة الدكتوراه. كان الدكتور زكريا قد نال درجتي الماجستير والدكتوراه في أ الستينيات في هولندا، وعاد ليدرس في كلية الفيزياء جامعة الخرطوم وحدة درجات الحرارة المتدنية (Low Temperature Physics Unit)، و قد ترأس لاحقا ذلك القسم قبل أن يتقلّد لاحقًا عمادة الكلّية. وقد شكّلت تلك الزيارة نقطة التحوّل في علاقة مارتن بجامعة الخرطوم؛ فمنها بدأت صلات علمية وثيقة دامت لعقود، كان فيها الأستاذ والتلميذ رمزًا لجسرٍ علميٍ وإنسانيٍ فريد.
بدأت علاقة مارتن بالسودان في عام 1976، عندما زار جامعة الخرطوم – كلية العلوم – قسم الفيزياء أستاذًا زائرًا. هناك وجد بيئةً علميةً واعدةً لكنها بحاجة إلى الدعم والاتصال بالعالم، فكرّس جهده لتوثيق الصلات بين جامعته الأم في لايدن وجامعة الخرطوم.
ومنذ تلك الزيارة الأولى، توالت رحلاته السنوية إلى السودان، حتى صار حضوره جزءًا من ذاكرة الجامعة نفسها؛ لم ينقطع عن السودان طوال خمسةٍ وثلاثين عامًا، وكانت آخر زياراته في 2010، وكان يتهيأ للسفر مرة أخرى في مارس 2011 لولا أن وافته المنية.
لم يكتف مارتن بتبادل الزيارات، بل نقل معدات ومعامل متقدمة إلى جامعة الخرطوم و جامعات أخرى، وشجّع زملاءه من جامعة لايدن على زيارة السودان وإلقاء المحاضرات فيه، فازدهر التبادل العلمي بين الجامعتين.
ومن بين ثماره تخريج نخبة من الفيزيائيين السودانيين المتميزين، منهم: البروفيسور عبد المنعم أرتولي، الدكتور سامي موسى، الدكتور طارق مختار، الدكتور محمد قمر، الدكتور عمر آدم، والدكتور عبد المحسن الملك، الذي كان آخر من أكمل الدكتوراة أثناء وجوده.
وفي منتصف الثمانينيات، أنشأ مارتن منظمة خيرية لدعم الطلاب والجامعات السودانية، بتمويلٍ مشتركٍ مع الحكومة الهولندية. وبعد توقف الدعم الرسمي عام 1991، واصل تمويلها بنفسه إذ أوقف معاشه الخاص لتمويلها حتى وفاته، فاستمرت نشاطاتها في دعم طلاب الفيزياء السودانيين، واستضافة أربعة عشر طالبًا سنويًا من كلية الفيزياء جامعة الخرطوم في كورسٍ تدريبيٍ بجامعة لايدن لمدة شهر على نفقة المنظمة، يطلّعون فيه على أحدث تقنيات المختبرات والبحث العلمي.
العطاء الصامت: وراء هذا العالم المتواضع كانت هناك جوانب إنسانية أعمق؛ فقد حفر – بعيدًا عن الأضواء – نحو 25 بئرًا ارتوازية في مناطق نائية من السودان و معظمها كان في دارفور، دون أي ضجيج إعلامي ، و قد أدت الصدفة المحضة لكشف هذا الجانب من شخصيته،المعطاءة ، لأنه و بعد أن أوكل سرا لإحدى الشركات بحفر إحدى الآبار تعذر الوصول اليه بسبب بعض الأمور الإجرائية فاتصل مندوبو الشركة بتلاميذه للوصول إليه ما أدى لمعرفة هذا العمل الإنساني الكبير ، و قد.كان ديدنه أن بأن العطاء لا يحتاج إعلانًا.
كما عُرف مارتن بدقّته و حرصه على المال العام؛ فعندما كان يسافر لمؤتمرات علمية مرموقة، كان يعود بفواتير إقامته وطعامه ببضعة دولارات معدودة ، و يعيد ما منح له من مبالغ يومية لخزانة الجامعة ، حيث كان يختار فنادق متواضعة، رغم مكانته العلمية و المهنية التي كانت تتيح له الإقامة في أفخم الهوتيلات.
كرّمته جامعة الخرطوم تقديرًا لعطائه، كما كرّمته ملكة هولندا بمنحه وسام الفارس تقديرًا لإسهاماته في خدمة العلم والإنسانية.
وعندما رحل في 15 يناير 2011، ودّعه في هولندا لفيف من تلامذته السودانيين، وكان من بينهم البروفيسور عبد المنعم أرتولي الذي حضر خصيصًا من السودان لإلقاء كلمة التأبين، يرافقه البروفيسور بدر الدين خليل مستشار وزير التعليم العالي وممثل السفارة السودانية في هولندا.
دُفن البروفيسور مارتن إلى جوار والديه وإخوته في مقبرة الكنيسة بقرية كاتفايك، بعد حياةٍ امتدت بين مختبرات الفيزياء وجامعات السودان.
برحيل مارتن ديوريو، فقد السودان أحد أعمدته العلمية الخفية، ورمزًا للوفاء الإنساني في زمنٍ قلّ فيه الوفاء. لقد كان جسراً من المحبة والمعرفة بين لايدن والخرطوم، غرس في تربة السودان حبوب علمٍ ومعرفةٍ ستظل تُثمر أجيالاً من العلماء.
رحم الله البروفيسور مارتن ديوريو، وجزاه عن السودان وأبنائه خير الجزاء.
فقد أتى يوم شكره، بعد حياةٍ ملؤها العطاء، وذكرى تظل حيّة في قلوب تلاميذه وأصدقائه و السودانيين إلى الأبد.
بقلم ✍️ بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان
15 يناير 2026
الصور الإحترافية من مكتبة الدكتور المبدع أُبي خليفة.
أما الفيديو المرفق من قناة الجزيرة فهو فيديو توثيقي للدكتور طارق مختار أحد تلاميذ بروفيسور مارتن النجباء.




