*حين يصبح قول الحق تهمة جاهزة*

لم يهاجموني لأنني أخطأت بل لأنني أصبت لم يهاجموني لأنني إنحزت بل لأنني كشفت لم يهاجموني لأنني كتبت رأيًا بل لأنني كسرت منظومة كاملة تعيش على الكذب المريح في زمن الحرب قلت إن الصحافة سُرقت فصرخوا قلت إن الحياد في وجه الجريمة تواطؤ فارتبكوا قلت إن بعض الأقلام صارت جزءًا من ماكينة الدم فاستدعوا قاموس التخوين الجاهز وصفوني بكوزة بلبوسية حين أفلس العقل واتهموني بالانتماء للقوات المشتركة لأنهم لا يحتملون فكرة صحفي بلا بطاقة ولاء ولا دفتر تعليمات استندوا إلى عمود كتبته عن الضابط التابع للقوة المشتركة علي ديمو لا لأن فيه خطأ بل لأن فيه ما يفضحهم الإشارة إلى موقف إنساني أخلاقي حين خاطب النساء بأحترام تحول فجأة إلى جريمة مهنية بينما ظل الاغتصاب الممنهج الذي تمارسه المليشيا بلا تعليق ولا غضب ولا عمود واحد يعرى الزيف كاملًا من يرى في احترام النساء تطبيلاً ولا يرى في اغتصابهن جريمة لا يملك أخلاقًا ولا مهنة ولا حقًا في محاكمة أحد أنا لم أكتب لأصنع بطلاً ولم أبحث عن اصطفاف كتبت لأن الأخلاق لا تتجزأ ولأن الصحافة إن فقدت قدرتها على التفريق بين الكرامة والانتهاك ماتت بلا ضجيج الهجوم الحقيقي لم يكن على شخصي بل على فكرة أن تظل الصحافة يقظة أن تظل قادرة على تسمية الأشياء بأسمائها أن تظل غير قابلة للتدجين هاجموني لأنني فتحت ملف صحفيي المليشيا وكشفت غرف الأخبار التي تحولت إلى ورش تلميع وحين فشلوا في نقاش الوقائع لجأوا إلى الشتيمة لأن العاجز لا يحاور بل يعض أنا لا أنتمي إلا للمهنة ولا أقف إلا مع الضحايا ولا أكتب إلا من موقع الشهادة ومن يرى في ذلك انحيازًا فمشكلته مع الحقيقة لا معي هذا زمن يُكافأ فيه الصمت ويُعاقب فيه الصوت ويُطلب من الصحفي أن يكون ديكورًا لا شاهدًا وأنا أرفض هذا الدور بالكامل لن أعتذر عن وضوحي ولن أساوم على لغتي ولن أشارك في مسرحية الزيف لأن الصحافة التي تخاف ليست مهنة بل وظيفة جبانة ومن يهاجم الصحفي المستقل ليس زميلًا بل حارسًا للكذب وأنا اخترت أن أكون خارج الحراسة داخل النار أكتب لأن الكتابة مقاومة ولأن الصمت خيانة ولأن الحقيقة حتى وهي وحيدة أقوى من قطيع كامل

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole