.
غادرت السودان يافعاً في منتصف عام 1966 وطال بي المقام بين لبنان وسورية والإمارات العربية المتحدة وقبرص، وطفت كثيراً من أوروبا بشقيها الغربي والشرقي والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية والآسيوية. وتوزع نشاطي بين الثورة الإريترية والتحصيل الفكري والتأليف وإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات مع تركيز خاص على السودان والقرن الأفريقي والخليج ومثلث المواجهة المصري والسوري والسعودي مع إسرائيل. وانتهيت لتأسيس (مكتب الدراسات والأبحاث الدولي) في جزر غرب الأنديز البريطانية:
INTERNATIONAL STUDIES & RESEARCH BUREAU – BRITISH WEST INDIES
واتخذت من بيروت مقراً لي ولعائلتي.
كسوداني، كنت أحد المساهمين الأوائل في تأسيس الثورة الإريترية بعد عام ونصف من اندلاعها حيث انتظمت في صفوفها مطلع عام 1963 أثناء فترة عبود العسكرية في السودان (1958 – 1964) ثم مديراً لمكتبها في دمشق (1966 – 1969) ومسؤولاً عن الإعلام الخارجي وبعض العلاقات الخارجية (1970 – 1972) وتواصلت معها إلى عام الاستقلال في 1993 حيث أصدر الرئيس أسياس أفورقي قراراً بمنحي الجنسية الإريترية وتعييني مستشاراً للدولة في 17 سبتمبر/ أيلول 1993. أما ارتباطي
المبكر بالثورة الإريترية فنتج عن قناعتي بطرح (كنفدرالية القرن الأفريقي) التي تضم كلاً من السودان وإريتريا وأثيوبيا والصومال وجيبوتي منذ عام 1963 وقد ضمنت ذلك الطرح في أول دراسة صدرت لي بعنوان (الوجود القومي) – مطبعة (الزمان) – الخرطوم – 1964 ولا زلت أواصل جهودي لتأصيل هذا الطرح الذي تبنته الثورة الإريترية بعد ثلاثين عاماً وحين استقلال إريتريا في عام 1993. وهو طرح يستهدف ربط كنفدرالية القرن الأفريقي بإطارها (الجيو – بوليتيكي) الشامل لدول حوض النيل، وبإطارها (الجغرافي – السياسي) الممتد عبر البحر الأحمر وإلى دول الخليج العربية شرقاً.
ويعتبر هذا المشروع أول تأسيس لتكامل عربي – أفريقي على نحو استراتيجي وحضاري، فلشعوب هذه المنطقة بالذات ما يجمع بينها جغرافياً وبشرياً وتاريخياً وثقافياً، وبمقدورها مجتمعة التغلب على مشكلات التنمية والتوزيع العادل للمياه وتوفير دواعي الأمن والاستقرار بمعزل عن الأطماع الأجنبية. ويمكن أيضاً مراجعة كتابي (الأبعاد الدولية لمعركة إريتريا) الصادر عن دار الطليعة – بيروت 1974 وما سبق أن طرحته حول المؤثرات الجغرافية والإقليمية المحيطة بالسودان في كتابي الصادر أيضاً عن (دار الطليعة) في بيروت عام 1969 بعنوان (الثورة والثورة المضادة في السودان).
وقد حاولت جهدي تنبيه الأشقاء العرب إلى ضرورة أن يمارسوا علاقات استراتيجية وثيقة بالقرن الأفريقي لإبعاد القوى الأجنبية المتربصة، وورد التحذير في محاضرتي قبل استقلال إريتريا بعامين والتي ألقيتها بتاريخ 1990/5/25 في المركز الإسلامي في (مالطا) بعنوان (أزمة القرن الأفريقي وموقعه في استراتيجية العدو الصهيوني) وكذلك سقت التحذير على صفحات مجلة (الاتجاه) التي أصدرتها في قبرص في مطلع يونيو/ حزيران 1989 بعنوان: (لمصلحة من يقاطع العرب إريتريا؟).




