*حكومة كامل إدريس… حين عاد الكيزان من النوافذ*

ليس من الصعب على السودانيين أن يميزوا بين حكومة تحمل مشروعًا حقيقيًا لإنقاذ البلاد وبين حكومة وُلدت من ارتباك السياسة وترقيعات السلطة حكومة كامل إدريس لا تبدو في نظر كثيرين بداية مرحلة جديدة بقدر ما تبدو امتدادًا باهتًا لمشهد قديم عرفه السودانيين طويلًا نفس الأساليب نفس الحسابات الضيقة ونفس الظلال الثقيلة التي تركها نظام التمكين في مؤسسات الدولة
السودان الذي خرج من سنوات طويلة من الاستبداد والحروب لم يكن ينتظر تغيير في الأسماء بقدر ما كان ينتظر تغييرًا في الفكرة نفسها فكرة الحكم وإدارة الدولة لكن ما ظهر حتى الآن هو حكومة متفرقة الاتجاهات بلا انسجام سياسي واضح وبلا رؤية متماسكة تعالج الأزمات العميقة التي تضرب البلاد في الاقتصاد والعدالة والخدمات
أخطر ما في هذه الحكومة ليس فقط ضعف الأداء بل الإحساس المتزايد لدى قطاعات واسعة من الشارع بأن الماضي لم يغادر المشهد تمامًا كثير من الوجوه المحيطة بالسلطة اليوم تحمل سيرة سياسية تجعل الناس يتساءلون هل نحن أمام قطيعة حقيقية مع مرحلة التمكين أم مجرد إعادة ترتيب للأدوار داخل نفس الدائرة القديمة؟
وزارة العدل مثال واضح على هذا القلق هذه الوزارة ليست حقيبة عادية إنها المؤسسة التي يفترض أن تعيد الثقة في القانون بعد سنوات طويلة من تسييس العدالة عندما يحيط الجدل باسم الوزير أو بتاريخه السياسي فإن ذلك يضعف ثقة الناس في فكرة الإصلاح نفسها لأن العدالة لا يمكن أن تُبنى فوق أرضية ملتبسة أو فوق شخصيات لم تحسم موقفها بوضوح من إرث الدولة القديمة
السودانيون لا يبحثون عن ملاك في المناصب لكنهم يريدون وضوحًا يريدون مسؤولين يحملون مشروعًا أخلاقيًا وسياسيًا واضحًا يعلن القطيعة مع نظام التمكين الذي حوّل الدولة إلى شبكة مصالح حزبية أي غموض في هذا الملف يعيد إلى الذاكرة تجربة مريرة عاشتها البلاد ثلاثين عامًا.
الأزمة الأعمق أن الحكومة الحالية تبدو كأنها تحاول إدارة بلد منهك من دون أدوات كافية الاقتصاد يترنح الخدمات تتراجع والبلاد ما زالت تعيش آثار حرب قاسية تركت مدنًا مدمرة وملايين النازحين في مثل هذه اللحظة التاريخية كان المطلوب فريق حكومي يمتلك خبرة حقيقية وخطة واضحة لا تركيبة سياسية مرتبكة تحاول إرضاء أطراف متعددة في وقت واحد
السلطة في السودان لم تعد مسألة إدارية فقط إنها قضية ثقة بين الدولة والمجتمع هذه الثقة انهارت مرات كثيرة بسبب الفساد وسوء الإدارة وتغول السياسة على المؤسسات إعادة بنائها تحتاج إلى وجوه قادرة على إقناع الناس بأن صفحة جديدة قد فُتحت بالفعل
المشكلة أن كثير من السودانيين ينظرون إلى الحكومة الحالية فلا يرون تلك الصفحة الجديدة بوضوح يرون خليطًا من الحسابات السياسية والاختيارات غير المقنعة وغياب الجرأة في اتخاذ قرارات تعكس تحولًا حقيقيًا في طريقة إدارة الدولة
قد يكون كامل إدريس رجلًا ذا تجربة دولية واسعة لكن إدارة السودان في هذه اللحظة ليست مسألة سمعة شخصية فقط إنها مسؤولية بناء فريق قادر على مواجهة تركة ثقيلة من الأزمات الحكومة التي لا تملك الانسجام ولا المشروع المشترك تتحول سريعًا إلى إدارة يومية للأزمات بدل أن تكون قيادة لتغيير حقيقي
السودان يقف اليوم على مفترق طرق البلاد تحتاج إلى دولة قانون حقيقية واقتصاد يُعيد الكرامة للمواطن ومؤسسات تحكمها الكفاءة لا الولاء السياسي وصراع الكراسي أي حكومة لا تضع هذه المبادئ في قلب عملها ستبقى مجرد محطة عابرة في تاريخ طويل من الفرص الضائعة
الناس في السودان لم يعودوا يطلبون المعجزات يريدون فقط حكومة تشبه تضحياتهم حكومة تعرف أن هذا البلد دفع ثمنًا باهظًا من الدم والخراب كي يفتح طريقًا نحو المستقبل الطريق ما زال ممكنًا لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية تقطع بوضوح مع كل ما أعاد إنتاج الفشل في الماضي.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole