*الحركات المسلحة في السودان: هل حررت الشعوب أم صنعت نخباً جديدة؟* *دكتور الصادق خلف الله*

*الحركات المسلحة في السودان: هل حررت الشعوب أم صنعت نخباً جديدة؟*

*دكتور الصادق خلف الله*
*خاص : مجلة حواس*

على مدى أكثر من سبعين عاماً، ظل السودان يعيش في دوامة من الحركات المسلحة التي رفعت شعارات نبيلة، مثل مقاومة التهميش، وتحقيق العدالة، وتقاسم السلطة والثروة، وإقامة دولة المواطنة. والتف حول هذه الشعارات آلاف الشباب الذين آمنوا بأن حمل السلاح هو الطريق الوحيد لاسترداد الحقوق. لكن بعد كل هذه العقود، يظل السؤال الأهم مطروحاً: من الذي استفاد فعلاً من هذه الحروب؟ وهل حققت أهدافها المعلنة، أم أنها انتهت إلى صناعة نخب سياسية وعسكرية جديدة؟

إذا نظرنا إلى تجربة جنوب السودان، نجد أن حركة الأنيانيا الأولى، ثم الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق، خاضتا حرباً طويلة انتهت بانفصال الجنوب عام 2011. غير أن الدولة الجديدة سرعان ما غرقت في حرب أهلية بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، وتحولت البنادق التي كانت موجهة نحو الخرطوم إلى صراع داخلي أودى بحياة مئات الآلاف وشرد الملايين، بينما بقي المواطن الجنوبي يعاني الفقر وانهيار الخدمات الأساسية، في الوقت الذي أصبحت فيه النخبة السياسية والعسكرية صاحبة السلطة والثروة.

وفي دارفور، برزت حركات عدة، أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، ثم جناح مني أركو مناوي، إضافة إلى حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم ثم الدكتور جبريل إبراهيم. وبعد سنوات من الحرب، انتهت بعض هذه المسارات باتفاقيات سلام منحت عدداً من قادة الحركات مناصب سيادية ووزارية رفيعة، في حين ظل مئات الآلاف من النازحين في المعسكرات، ولم تتحقق الطفرة التنموية التي كانت أحد أهم مبررات حمل السلاح.

أما في جبال النوبة والنيل الأزرق، فقد واصلت الحركة الشعبية – شمال، بقيادة مالك عقار ثم عبد العزيز الحلو، رفع شعارات المساواة والعدالة. ومع ذلك، لا تزال هذه المناطق تعاني ضعف الخدمات والبنية التحتية، بينما انتقل بعض قادة الحركات إلى مواقع سياسية أو مناصب رسمية داخل الدولة.

لكن الإشكالية لا تقتصر على نتائج هذه التجارب، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة البنية القيادية داخل كثير من الحركات المسلحة. فقد افتقرت نسبة كبيرة منها إلى مؤسسات سياسية وفكرية راسخة، واعتمدت في كثير من الأحيان على قيادات عسكرية أو قبلية أكثر من اعتمادها على الكفاءة السياسية والإدارية. وباستثناء عدد محدود من الشخصيات التي امتلكت تأهيلاً أكاديمياً أو خبرة سياسية واضحة، فإن كثيراً من القيادات لم ينجح في تقديم مشروع وطني متكامل قادر على إدارة التنوع السوداني وبناء دولة حديثة.

كما عانت العديد من هذه الحركات من الانقسامات الداخلية والصراعات الشخصية والقبلية، بل وشهد بعضها انتشاراً لخطابات جهوية وعنصرية أضعفت وحدتها وأفقدتها كثيراً من مشروعيتها الوطنية. ومع مرور الوقت، تحولت بعض التنظيمات إلى كيانات تتنافس على النفوذ والمواقع أكثر من تنافسها على تقديم حلول حقيقية لمشكلات المجتمعات التي ادعت تمثيلها.

وفي تقديري، فإن هذا الخلل القيادي والمؤسسي كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل كثير من الحركات المسلحة في تحقيق أهدافها، وأسهم في إطالة أمد الأزمة السودانية بدلاً من إنهائها. فبعد عقود من التمرد، لم تنجح هذه الحركات في بناء نموذج حكم رشيد أو تحقيق تنمية مستدامة في المناطق التي سيطرت عليها أو شاركت في إدارتها.

والمشكلة الأساسية ليست في المطالب التي رفعتها هذه الحركات، فكثير منها كان مشروعاً ويعبر عن مظالم حقيقية، وإنما في أن استمرار الحرب لسنوات طويلة خلق اقتصاداً خاصاً بها. فالحروب تجذب التمويل الخارجي، والمساعدات، والوساطات الدولية، واتفاقيات تقاسم السلطة، وأحياناً السيطرة على الموارد المحلية والأنشطة الاقتصادية. ومع مرور الزمن، قد يصبح استمرار الصراع أو إدارته أكثر فائدة لبعض النخب من الوصول إلى سلام دائم ينهي هذه الامتيازات.

وهذه الظاهرة ليست حكراً على السودان، بل شهدتها دول عديدة حول العالم، حيث تحولت بعض الحركات المسلحة أو الثورية إلى نخب سياسية واقتصادية بعد وصولها إلى السلطة، بينما بقيت المجتمعات التي ادعت تمثيلها تعاني الفقر والتشرد وضعف الخدمات. ومن هنا، فإن التجربة السودانية ليست استثناءً، وإنما جزء من ظاهرة أوسع تستحق الدراسة والتحليل.

وفي الوقت نفسه، تقتضي الأمانة العلمية والموضوعية التمييز بين النقد السياسي والاتهامات غير المثبتة. فلا يجوز الادعاء بأن جميع قادة الحركات أو أسرهم أصبحوا أصحاب ثروات طائلة من دون أدلة ووثائق وتحقيقات موثقة. فالمصداقية تفرض الفصل بين الوقائع الثابتة والانطباعات أو الشائعات.

إلا أن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن عدداً كبيراً من قادة الحركات المسلحة حصلوا، عبر اتفاقيات السلام أو التسويات السياسية، على مواقع متقدمة في هياكل السلطة، من عضوية مجلس السيادة إلى الوزارات والولايات والمجالس الانتقالية، بينما ظل المواطن الذي حمل السلاح أو نزح من قريته أو فقد أفراد أسرته ينتظر ثمار السلام التي لم تصل إليه.

لقد دفعت شعوب جنوب السودان ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ثمناً باهظاً من الدماء والدمار، بينما لم يتحقق التحول التنموي الذي وُعدت به. ولذلك يظل من حق السودانيين أن يتساءلوا: هل كانت هذه الحروب وسيلة لتحرير الإنسان وتحقيق العدالة، أم أنها في كثير من الحالات انتهت إلى إنتاج نخب جديدة تتقاسم السلطة والثروة باسم القضية؟

إن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن العدالة لا تتحقق بالبندقية وحدها، وأن القضايا العادلة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وشفافية، ومحاسبة، ورقابة مالية وإدارية، حتى لا تتحول تضحيات الشعوب إلى مكاسب سياسية وشخصية لقلة من القادة، بينما يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في كل جولة من جولات الصراع.
*مجلة حواس*

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole