*هل السودان رهين للأيديولوجيا أم ضحية للبروباغندا؟* *بقلم: المُبر محمود*

في التاسع من مارس 2026، اتخذت وزارة الخارجية الأمريكية قراراً بتصنيف “تنظيم الإخوان المسلمين” في السودان منظمة إرهابية، متبوعةً بتصنيف “لواء البراء بن مالك” كمنظمة إرهابية عالمية. هذه الخطوات تتخطى الأطر القانونية الصرفة، لتصبح أداة اشتباك سياسي تهدف إلى إعادة رسم خارطة التحالفات الميدانية في السودان، وضبط إيقاع الحرب وفقاً للمنظور الأمريكي لمكافحة الإرهاب؛ الأمر الذي أعاد فتح ملف “الهوية السياسية” للنزاع حول ما إذا كانت القوات المسلحة تقاتل لحماية كيان الدولة، أم أنها أضحت واجهة لإعادة إنتاج تيارات أيديولوجية.

وحول هذا التساؤل، نجد أن محاولة حصر القوة المحركة للدولة السودانية في “تنظيم الإخوان” لا تبدو قراءة مستندة إلى معطيات صلبة بقدر ما هي استراتيجية لتوفير “مبررات أخلاقية” لانتهاكات مليشيا الدعم السريع، حيث يسعى هذا التأطير لتصوير النزاع كمعركة بين “قوى مدنية” و”جماعات متطرفة”، في قفز صريح فوق حقيقة أن الشارع السوداني بمختلف أطيافه هو من يدفع كلفة هذا التضليل. وفي هذا الصدد تحديداً، قد بح صوت القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وهو يؤكد، في عدة مناسبات، أن الجيش “لا يأتمر بأمر أي تنظيم”، واصفاً الأصوات التي تحاول جر المؤسسة العسكرية نحو محاور أيديولوجية ب “المهرجين”، بل وذهبت الدولة أبعد من ذلك بتفعيل إجراءات قانونية ضد عناصر اسلامية حاولت تجاوز الخطوط الوطنية الحمراء.

ومما يغيب عن التحليل الدولي، هو أن “الإسلاميين” في السودان اليوم لم يعودوا كتلة واحدة أو تنظيماً مركزياً متماسكاً، بل تشتتت تلك القوى وتعددت ولاءاتها؛ حيث اختارت قيادات بارزة منهم الوقوف في صف “ميليشيا الدعم السريع” أو الانضواء تحت لواء تحالفات سياسية موالية لها كفصيل “صمود” المعارض، ويقاتل آخرون في صفوف القوات المسلحة بدافع وطني محمود لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني. وحتى هؤلاء الذين يقاتلون مع الجيش، لا يجمعهم رباط تنظيمي واحد أو رؤية سياسية موحدة، بل يمثلون أطيافاً متباينة، مما يدحض فرضية وجود “غرفة عمليات” حزبية خفية تدير الحرب.

وفي المقابل، تتفكك رواية “السيطرة الحزبية” تماماً أمام واقع التراتبية العسكرية الصارمة؛ فإدارة المعارك تخضع لهيئة أركان مهنية تقود محاور قتالية معقدة، يدير عجلتها قادة ميدانيون حافظوا على وجودهم المباشر في الخطوط الأمامية منذ اليوم الأول للحرب. ولعل عضو مجلس السيادة، مساعد القائد العام، الفريق أول ركن ياسر العطا يقدم مثالاً حياً في هذا السياق؛ فالتصاقه الدائم بكافة فصائل المقاومة الشعبية لم ينل من صرامة نهجه العسكري، بل ظل محتفظاً بمسافة مؤسسية تضمن خضوع الجميع لقواعد الاشتباك الرسمية. حتى إن خصوم الدولة والجهات التي تتبنى خطاب التأليب الخارجي ضد الجيش، كانت لوقتِ قريب تصفه بالالتزام المهني الراسخ وتمسكه بحيادية المؤسسة العسكرية والتراتبية النظامية. هذا الحضور الميداني المنضبط يقطع الطريق أمام أي محاولة لتجيير التضحيات الشعبية لصالح أجندة سياسية محددة، ويؤكد أن كافة القوى المساندة تخضع لإشراف ضباط محترفين يرفضون خلط الأوراق السياسية بالمهام القتالية.

وعلى الرغم من وجود “لواء البراء بن مالك” في الميدان كواحد من فصائل المقاومة الشعبية، إلا أن التدقيق التنظيمي يثبت انضوائه بالكامل تحت مظلة القوات المسلحة الرسمية كجزء من قوات الاحتياط. ومن ثم، فإن تركيز واشنطن على هذا الفصيل تحديداً، مع تجاهل مجموعات أخرى مثل “غاضبون” ذات الخلفية اليسارية التي تقاتل في ذات الخندق، يكشف عن “انتقائية سياسية” واضحة، إذ يبدو أن الهدف هو تضييق الخناق الدبلوماسي على الدولة السودانية، متجاهلين التعددية في صفوف المقاومة الشعبية التي تضم طيفاً واسعاً من السودانيين لا تجمعهم أيديولوجيا سوى الدفاع عن وجودهم.

بموازاة كل ذلك، وبعيداً من الضغوط الخارجية، تتجلى الأزمة الحقيقية في “عجز الأداء الداخلي”؛ حيث ثمة فراغ إعلامي ودبلوماسي شاسع عجزت الحكومة عن ملئه، مما ترك الساحة لآلة الدعاية المضادة. والأخطر هو غياب “المشروع السياسي” الواضح لدى القوى المدنية المؤيدة للجيش؛ إذ يفتقر الحاضن الشعبي للدولة إلى رؤية جامعة قادرة على طرح بديل وطني يتجاوز الشعارات العاطفية إلى بناء استراتيجية متكاملة تخاطب العالم. ولعل استمرار حالة “التوهان” في الأداء الحكومي وعدم تفعيل الأجهزة العدلية بشكل مؤسسي لتوضيح المسافة بين الدولة والتيارات السياسية، هو ما يمنح العقوبات الدولية مشروعيتها، فبدون بلورة مشروع سياسي يواكب الجهد العسكري، ستظل الدولة السودانية عرضة لسهام التصنيفات الدولية التي تخلط -عمداً- بين حق الدفاع عن النفس وشبح الأدلجة.

*12 مارس 2026*

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole