سألتُ زميلاً لي عن أحواله، وهو الذي عاش فصولاً من “التغريبة السودانية” المعاصرة؛ كان جسده في الولاية الشمالية، وأبناؤه يتوزعون بين الولايات يلاحقون مقاعد الدراسة، بينما تقيم زوجته وراء البحار طلباً للاستشفاء. رد عليَّ بعبارة تختزل مأساة جيل كامل: “البلد فيها لبن الطير، بس لازم يكون عندك مال قارون وصبر أيوب.. والناس عطالة”.
هذه الكلمات ليست مجرد “فضفضة” عابرة، بل هي توصيف دقيق لمطب تاريخي واجتماعي تمر به الغالبية العظمى من الأسر السودانية اليوم؛ حيث برزت مفارقة مؤلمة: أسواقٌ عامرة، وجيوبٌ خاوية، وشملٌ ممزق.
1. واقع الشتات الاضطراري
لقد أعيد رسم الخارطة الاجتماعية للأسر تحت وطأة الظروف؛ فأصبح البيت الواحد مشتتاً بين من يسعى للرزق، ومن يطلب العلم، ومن يصارع المرض. هذا التوزيع الجغرافي القسري لم يعد مجرد مسافات، بل تحول إلى نزيف مالي ونفسي لا تطيقه الجبال، مما جعل “لم الشمل” هو الحلم الذي يسبق في أولويته حلم الاستقرار نفسه.
2. معضلة “الوفرة المستحيلة” وشبح العطالة
المفارقة التي أكدها لي الكثيرون ممن عادوا إلى ديارهم هي أن “كل شيء متوفر”، ولكن خلف جدار عازل من الأسعار الخرافية. المطب الحقيقي هنا ليس في انعدام السلع، بل في “شلل القدرة الشرائية” الناتج عن العطالة القسرية. لقد توقفت دورة العمل، وتحول المواطن من منتج إلى مراقب للأسواق، يملك عزة النفس والكرامة، لكنه يفتقر إلى الوسيلة التي تمكنه من اقتناء احتياجاته الأساسية.
رؤى العبور: من الصبر إلى التمكين
أولاً: على مستوى التكاتف الأسري
استراتيجية لم الشمل: يجب أن يكون الهدف الأول للأسر هو تقليص المسافات وتجميع الأفراد في حيز واحد، لخفض نفقات المعيشة الموزعة (سكن، ترحيل، اتصالات) وتعزيز السند المعنوي.
المرونة الإنتاجية: كسر طوق “العطالة” عبر اجتراح مهن بديلة والتوجه نحو الاقتصاد المنزلي المنتج كحائط صد ضد تقلبات الأسعار.
ثانياً: المسؤولية المؤسسية والتمويلية
التمكين بدلاً من الإعانة: العبور من هذا المطب يتطلب حلولاً جذرية تتجاوز المسكنات؛ المطلب الآن هو فتح نوافذ التوظيف وتسهيل صيغ التمويل الأصغر والمنتج، لتمكين الشباب والأسر من خلق مصادر دخل كريمة.
توطين الخدمات: إن تقريب خدمات التعليم والصحة في الولايات هو الضمانة الوحيدة لاستقرار الناس في مناطقهم، مما يقلل من وطأة الشتات ويحفز النشاط الاقتصادي المحلي.
الخاتمة
رغم قسوة الظروف، يظل صمود الإنسان السوداني وقدرته على “ابتكار الحياة” هو الرهان الرابح. إننا لا نحتاج فقط إلى “صبر أيوب”، بل نحتاج إلى إرادة تفتح الأبواب الموصدة أمام الطاقات المعطلة عبر التوظيف والتمويل، ليتحول “لبن الطير” من أمنية مستحيلة إلى واقع بمتناول اليد.
المطب قاسٍ، لكن بالتراحم وحسن التدبير وفتح آفاق العمل.. حتماً سنعبر.
الحمد لله في البدء والمنتهى.




