لقد بلغت القلوب الحناجر وتجاوز سيل العنصرية كل سدود المنطق والوطنية ولم يعد الصمت اليوم حكمة بل هو تواطؤ صريح مع قتلة الأوطان ومحترفي التمزيق العرقي فما يشهده السودان الآن من انفلات عنصري مسعور يقوده ناشطون مأجورون وغوغاء مؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي هو إرهاب وجودي يستهدف تسميم الروح السودانية وتحويل الجار إلى ذبّاح لِجاره إننا نعيش لحظة السقوط الكبير في فخ الهويات القاتلة حيث استبدل البعض الانتماء للسودان الكبير بالتقوقع داخل شرنقة القبيلة الضيقة واستبدلوا لغة البناء الوطني بخطاب النتانة العرقية التي تجعل من العرق معياراً للإنسانية ومن الجغرافيا صكاً للحقوق والواجبات فالعنصرية التي نراها اليوم ليست مجرد زلة لسان أو وجهة نظر عابرة بل هي جريمة حرب أخلاقية تُرتكب في حق المستقبل وطعنة غادرة في خاصرة كل قطرة دم سُفكت من أجل وطن يسع الجميع بلا تمييز ولا استعلاء ولا إقصاء
إن اللغة الناعمة والمداهنة السياسية لم تعد تجدي نفعاً مع من يقتاتون على جراح الوطن ويعتاشون على إشعال الفتن لضمان بقائهم الزائف ولن توقف هذه المحرقة الاجتماعية إلا مقصلة القانون الرادعة التي لا تميز بين ابن فلان أو زعيم قبيلة أو ناشط خلف الشاشات فالحرية التي تتحول إلى دعوات صريحة للتهجير القسري أو الاستهزاء بالأصول التاريخية أو التحريض على القتل على الهوية هي خيانة عظمى تستوجب أقصى العقوبات الغليظة بلا هوادة ولا تراجع إن الدولة السودانية مطالبة اليوم قبل غدٍ بسن ميثاق الشرف والدم وقانون طوارئ اجتماعي يضع كل من يبث سموم الكراهية وكل محرض يستدعي صراعات القرون الوسطى خلف قضبان السجون في محاكمات علنية تجعلهم عبرة لكل من تسول له نفسه العبث بمصير ملايين البشر فالمجتمعات التي تهاونت مع خطاب الكراهية لم تجنِ سوى المقابر الجماعية والخراب والنزوح والشتات والذل والانكسار ولن يكون السودان استثناءً من قوانين التاريخ إن لم يضرب بيد من حديد على رؤوس الأفاعي التي تنفث سمومها في عروق النسيج الاجتماعي المنهك والمثخن بالجراح
يجب أن يدرك كل ناشط يستغل فضاءات الإنترنت ليشعل الحرائق بين المكونات السودانية ويوهم الناس ببطولات وهمية قائمة على أنقاض الآخرين أنه شريك أصيل في كل رصاصة تطلق وفي كل دمعة نازح يتجرع مرارة التشريد والجوع إننا بحاجة ماسة إلى تطهير تشريعي شامل يجعل من العنصرية والجهوية وصمة عار قانونية تلاحق مرتكبها وتجرده من حقوقه السياسية والمدنية للأبد فالدولة التي تحترم كرامتها لا تسمح للأقزام بتمزيق عمالقتها والوطن الذي يقدس الإنسان لا يترك مصيره نهباً لجنون الاستعلاء العرقي الموهوم وسادية الإقصاء التي لا تشبع إنها معركة البقاء الأخيرة فإما أن ننتصر لـ المواطنة المتساوية ونقيد الوحش العنصري بسلاسل العدالة الناجزة التي لا تحابي أحداً أو نتهيأ جميعاً لمراسم دفن ما كان يسمى يوماً السودان فالتاريخ لا يرحم الأمم التي انتحرت من أجل لقب قبلي وضيع بينما كان المجد يناديها لتكون وطناً شامخاً لجميع أبنائه دون استثناء أو إهانة
إن التراخي في محاسبة رموز الكراهية هو الذي أوصلنا إلى حافة الهاوية فصارت العنصرية بضاعة رابحة في سوق السياسة ووسيلة سهلة لحشد الأنصار على جثث الأبرياء إننا نطالب بقانون الردع الشامل الذي لا يكتفي بمحاسبة الفرد بل يلاحق كل مؤسسة أو كيان أو منصة تروج لهذا السم الزعاف ويجب أن يتضمن التشريع عقوبات تصل إلى المصادرة الكاملة للممتلكات والحبس المؤبد لكل من ثبت تورطه في تخطيط أو تمويل حملات التطهير العرقي اللفظي أو المادي فالوطن ليس مرتعاً للمجانين والمهووسين بالأعراق بل هو بيت مقدس لكل من يحمل هويته ويعمل لرفعته ولا خيار لنا الآن سوى الحزم المطلق فإما القانون والعدالة والمواطنة أو الفوضى والدمار والفناء التاريخي الذي يتربص بنا جميعاً إن لم نستفق من هذه الغيبوبة العنصرية القاتلة.




