*أوروبا وأمريكا: هل حان الفراق (٢)** *على عسكوري* 26 يناير 2026*

كتبت في ١٤ يناير ٢٠٢٥ وقبل تنصيب الرئيس دونالد ترمب، مقالاً بذات العنوان أعلاه، أشرت فيه للشكوك القديمة التى تكتنف العلاقة بين أوروبا وأمريكا، وذكرت أن امريكا (وليس ترامب وحده) لم تعد تهتم كثيراً بالتمسك بعلاقاتها التاريخية مع أوروبا بعد بروز تحديدات جديدة كالصين والهند.
تبعت ذلك المقال بمقال آخر بتاريخ ٢٣ يناير بعنوان (الشعوبي دونالد ترمب) تنبأت فيه بأن إعادة إنتخاب الرئيس ترامب تمثل الخطوة الأولى لتفكك أمريكا من الداخل.
ما يهمنا في هذا المقال هو العلاقة بين أمريكا و أوروبا التى انفجرت تناقضاتها وأزماتها بأسرع مما توقعت.
الآن هنالك خلاف حول حلف (الناتو) العسكري.. هل سيصمد أم سيتفكك خاصة وأن الرئيس الفرنسي دعا صراحة الى تشكيل قوة أوروبية للدفاع عن اوروبا. هنالك أيضا قضية الحرب الاوكرانية وتوقف أمريكا عن دعم اوكرانيا بالسلاح والمال. يضاف لكل ذلك قضية التعريفة الجمركية والحرب التجارية والغرامات الباهظة التى فرضتها أوروبا على شركات التقانة الامريكية العملاقة (تصل الى حوالى ١٨ بليون دولار) ورفض أمريكا للغرامات، اما الصراع حول جزيرة قرينلاند التى قررت امريكا الاستيلاء عليها ان لم يكن بالقوة فببيع اجباري تحت دعاوي امنها القومي فقد مثّل ازدراء غير مسبوق من حليف لحفاء قدامي، وكأن أمريكا بذلك الموقف تمنح علاقتها مع أوروبا قبلة الوداع.
تبسمت ساخراً وانا استمع لحديث الرئيس الفرنسي في منتدى (دافوس) ملمحاً لما تقوم به أمريكا دون أن يذكرها صراحة، محتجا على الامبريالية والاستعمار الجديد (اى والله)، اللهم لا شماتة! قلت في نفسي: سبحان مغير الاحوال! او (جاك الموت يا ملك الموت) كما يقال! تري هل نسي الرجل تاريخ بلاده!!
من الخطأ الاعتقاد أن التأزم الحالي في العلاقة بين أوروبا وأمريكا سياسة خاصة بالرئيس ترامب او مرتبطة به هو فقط، وأنه في حالة انتخاب رئيس جديد لأمريكا ستعود العلاقة مع أوروبا الى سابق عهدها.
ان موقف الرئيس ترامب من أوروبا هو سياسة دولة وليس امراً خاصاً بالرئيس ترامب. بمعنى اخر، ان أمريكا تعيد ترتيب أستراتيجياتها في العالم وكنتيجة لذلك دخلت علاقتها مع أوروبا غرفة الانعاش وتنتظر الاعلان عن وفاتها.
التداعيات السياسية والاقتصادية التى ستنتج عن موت العلاقة القديمة بين الحليفين أمر يصعب التنبؤ به، وما هي تداعيات ذلك علي الاتحاد الاوروبي كقوة اقتصادية وسوق موحد هل سيصمد او سيتفكك خاصة وان امريكا وروسيا لهما مصلحة في اضعاف او القضاء علي عملة الاتحاد (اليرو)، او كما يقول منطق السوق ” كلما قل منافسوك كلما تحسنت فرصتك في الاحتكار”!

بالطبع يقفز سؤال جوهري لذهن القارىء، هو لماذا انفجرت كل هذه الازمات الان؟
نحاول في هذا المقال شرح قراءتنا للأسباب والتداعيات والنتائج المتوقعة على المدى الطويل.
أول أسباب هذه التحولات هو تغيّر موازين القوى وتغيّر المهددات الاستراتيجية بالنسبة لامريكا ولاوروبا على حد السواء.
هنالك حدثان مهمان وقعا في نهاية القرن المنصرم قادا الى تغير الاستراتيجيات الامنية هما:
١) إنهيار الشيوعية كمهدد سياسي لأوروبا
٢) صعود الصين كمنافس اقتصادي لامريكا
تزامن هذان الحدثان تزامناً يثير الدهشة! فبينما كانت أمريكا وربائبها في أوروبا يحتفلون بانتصارهم على الشيوعية، اذ بهم يتفاجأون ببروز الصين كقوة اقتصادية و عسكرية وتكنولوجية هائلة انفلتت من حبالهم وقيودهم المضروبة عليها.
لم يكن نمو الصين عملا عشوائيا او صدفة محضة، بل كان عملا مخططا ومرتبا من الدول الغربية ومن الصين نفسها. ففي إطار صراعه مع روسيا، شجع الغرب الصين على الانفتاح الاقتصادي واستثمر فيها مئات البلايين من الدولارات في عقد التسعينات وحده، واندفعت الشركات الكبري الباحثة عن العمالة المدربة الرخيصة و هامش الارباح الجيد تستثمر وتعمل في السوق الصيني. ونتيجة لذلك فاقت معدلات النمو الاقتصادى فى الصين في عقد التسعينات ال ١٠% وهو معدل مرتفع جدا بكل المقاييس.
دارت نقاشات كثيرة حول مخاطر الاستثمار بذلك الحجم في الصين، وصدرت العديد من الكتب من مختصين ابرزهم هنري كيسنجر، تناولت مخاطر نهضة الصين على هيمنة الغرب على العالم، ولكن في نهاية المطاف – كما يحدث دائما- انتصر رأس المال على دعاة التخوف من نهوض الصين!
الصين من واقع تاريخها الطويل وإرثها الحضاري، دولة تفضل الصمت عنما تنجز وتفعل، خلافا لما يفعل الغرب في التباهى بالحق والباطل بما يفعل وما لا يفعل! هذا السلوك (ممارسة الصمت) يعود لنظرة الصين لنفسها، فالصين كما أشار كيسنجر في كتابه تري نفسها مركز الكون، ولها تقاليد ثقافية راسخة تختلف عن الغرب، وهي حضارة وليست دولة! ولذلك تختلف أساليبها في التعامل وطريقة الحياة عن ثقافة وحياة الغرب.
نتيجة لذلك كانت الصين بالنسبة للغرب اقرب لللغز منها الى منافس ذى اهداف استراتيجية معلنة ومكشوفة رغم اجتهاد الغربيين في محاولة استكناه طبيعة الصين ومآلات نهضتها واهدافها بعيدة المدى.
بين إنهيار امبراطورية روسيا وصعود الصين ارتبك واضعوا الاستراتيجيات في الغرب واحتاجوا لفترة امتدت لاكثر من عقد لالتقاط انفاسهم وترتيب اوراقهم ومحاولة الاجابة على السؤال: هل الصين منافس، صديق ام عدو؟
استغلت الصين ذلك الارتباك وانطلقت لبناء اقتصادها بسرعة كبيرة، بل جلبت أغلب الشركات الغربية الكبري لتنتج علي أراضيها، وهكذا بانتهاء العقد الاول من القرن الحالي أصبحت الصين ثانى أكبر إقتصاد في العالم وتسير لتكون الأكبر في سنوات معدودة.
وفر بروز الصين كقوة اقتصادية كبيرة بديلاً مالياً للدول النامية في إفريقيا، جنوب شرق آسيا، آسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. كانت النتيجة المباشرة لتمويل الصين هي ضعف او تآكل سيطرة او تحكم البنك الدولى و صندوق النقد الدولى على إقتصاديات الدول النامية. من المعلوم أن المؤسستين تعتبران أهم آليات الامبريالية الغربية للسيطرة على الدول النامية منذ تأسيسهما في اتفاق (بريتون وودز) بالولايات المتحدة العام ١٩٤٤. وهكذا ادى بروز الصين وازدياد ثروتها وتراكم الاموال لدى بنك التصدير والاستيراد الصيني وغيره من مؤسسات الاقراض الصينية الى تآكل وتراجع دور البنك والصندوق في العقدين الاخيرين حتى كاد الناس ان ينسوهما.
قضية نهوض الصين وعلاقتها مع الغرب تدخل في صميم الخلافات المتصاعدة بين أوروبا وأمريكا. فأمريكا تري ان الصين منافس خطير لابد ان يتحول لعدو استراتيجي يهدد قبضتها على العالم،(حاليا يتفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي على تصنيف الصين كعدو) (حتمية ثيوسيديديس)(راجع مقالى عن الحتمية بتاريخ ٥ يوليو ٢٠٢٤)، خلافا لذلك تري اوروبا ان الصين شريك تجاري لا أطماع سياسية له في أوروبا ولا يحمل ايدولوجيا أممية لنشرها، كما أن أوروبا خلافا لأمريكا لم تعد مهيمنة على العالم حتى تقلق من تهديد الصين لهيمنتها.

يتبع
*هذه الأرض لنا*
*نشر بصحيفة اصداء سودانية ٢٧ يناير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole