5 ديسمبر 1963 – بعد إقامة استمرت ثمانية عشر شهراً في السودان، تقول أسرة أمريكية عاشت في الخرطوم إن تجربتها هناك غيّرت نظرتها إلى الحياة بشكل واضح، وإن كلمة سودانية واحدة أصبحت تختصر بالنسبة لهم فلسفة الحياة في البلاد: «معليش».
ويقول جيتر مونيهام، الذي يعمل مستشاراً مالياً للبنك الصناعي السوداني، إن هذه الكلمة التي تعني «لا بأس» أو «لا يهم» تُستخدم باستمرار في السودان وتعكس أسلوباً خاصاً في التعامل مع الحياة.
وأوضح مونيهام أن هذه الكلمة تمثل في نظره فلسفة كاملة للحياة لدى السودانيين. فإذا لم يُنجز العمل اليوم فسيُنجز غداً، وإذا لم يتم غداً أيضاً فلا داعي للقلق. وإذا خسر شخص صفقة تجارية أو كسر خادم طبقاً في المنزل فإن الرد المعتاد يكون ببساطة: «معليش».
ويقول مونيهام ضاحكاً إن من أصعب الأمور التي واجهها في السودان كانت محاولة التكيف مع طريقة تفكير السودانيين.
وأضاف: «لا يمكنك أن تأتي ببساطة وتحاول تغيير نظامهم. ما نحاول فعله هو تحسينه بما يمكن أن يستفيدوا منه من جوانب نظامنا».
ويصف السودانيين بأنهم شعب شديد الصبر لا يتعجل الأمور، وأن إيقاع حياتهم مختلف تماماً عما اعتاده الأمريكيون.
السودان بعد الاستقلال
وأشار مونيهام إلى أن السودان نال استقلاله عام 1956، وكان عدد سكانه آنذاك نحو 13 مليون نسمة ولم يكن في البلاد سوى خمسة آلاف سيارة.
أما الآن، كما يقول، فقد ازداد عدد السكان قليلاً وارتفع عدد السيارات إلى نحو 32 ألف سيارة.
ويضيف أن السائقين العرب لا يملكون إحساساً واضحاً بالسرعة أو المسافة، وهو ما يؤدي إلى وقوع حوادث كثيرة، بينما يبدو المشاة وكأنهم يعتقدون أن الله سيحميهم، إذ يعبرون الشوارع والطرق أحياناً دون أن ينظروا حولهم.
حياة منزلية في الخرطوم
عاشت الأسرة في منزل مكوّن من أربع غرف نوم داخل مجمع سكني تحيط به الأسوار في الخرطوم. وكان لديهم ثلاثة خدم يقيمون في منزل صغير داخل حوش البيت ويعملون منذ الصباح الباكر حتى المساء.
وكانت الأسرة تستعين بمربية حبشية للأطفال إضافة إلى طباخ وخادم منزلي سودانيين.
ورغم وجود الخدم، لم تكن الحياة خالية من الصعوبات. فقد كانت الكهرباء تنقطع أحياناً لمدة تصل إلى ست ساعات، كما كان من الصعب الحصول على بعض أنواع الطعام والكماليات بسبب محدودية وسائل النقل.
ومع ذلك تقول بيتي مونيهام إن الحياة في الخرطوم كانت ممتعة للغاية، مؤكدة أن مزاياها تفوق بكثير ما فيها من متاعب.
النساء والعادات الاجتماعية
تشير بيتي مونيهام إلى أن النساء في المجتمع السوداني يلعبن دوراً اجتماعياً أكثر تحفظاً مقارنة بما اعتادت عليه في الولايات المتحدة.
وقالت إن الزوجات السودانيات لا يرافقن أزواجهن عادة إلى الحفلات أو المناسبات الاجتماعية، وإن القليل فقط من النساء الأكثر تأثراً بالثقافة الغربية يظهرن في مثل تلك اللقاءات.
وأضافت أن كثيراً من النساء يفضلن البقاء في الأقسام الخاصة بالعائلة داخل المنزل، وأن الزوار غالباً ما يتحدثون إليهن لفترات قصيرة فقط.
يوم العمل والحياة اليومية
كان مونيهام يعمل من الثامنة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر ستة أيام في الأسبوع. وكان الغداء يُقدَّم عند الساعة الثانية عشرة والنصف، بينما كان العشاء يتم في أي وقت بين السابعة والتاسعة مساءً.
وبسبب الحرارة التي تبلغ نحو 90 درجة فهرنهايت كانت الحياة في الخرطوم تكاد تتوقف بين الساعة الثانية والخامسة بعد الظهر.
أما طفلا الأسرة الأكبران، لين وساندي، فكانا يدرسان في مدرسة أمريكية ويشاركان في أنشطة مركز ترفيهي.
وفي أوقات الفراغ كانت بيتي وزوجها يقضيان وقتهما في لعب الغولف أو التنس أو لعبة البريدج.
حفلات المساء والحياة الدولية
ومع حلول المساء تعود الحياة إلى المدينة، حيث تقام الحفلات غالباً في الهواء الطلق داخل الحدائق الكبيرة التي تحيط بالمنازل.
وقد لفت انتباه الأسرة تنوع الجنسيات في الخرطوم، إذ تضم المدينة نحو عشرين سفارة أجنبية، كما أن بعض أصدقائهم هناك كانوا يتحدثون خمس لغات بطلاقة.
السينما في الهواء الطلق
ومن الأمور التي أثارت اهتمام الأسرة أيضاً دور السينما في الخرطوم، والتي كانت مفتوحة في الهواء الطلق بسبب قلة الأمطار.
وكان رواد السينما يجلسون في صناديق تحتوي على ستة مقاعد وطاولة، حيث تُقدَّم الأطعمة على الطاولات أثناء عرض الفيلم.
وكان نحو نصف الأفلام المعروضة باللغة الإنجليزية، بينما كانت بقية الأفلام بالفرنسية أو العربية أو الهندية، وغالباً ما كانت أفلام الغرب الأمريكي هي الأكثر شعبية بين الجمهور الذي يستمتع بتشجيع أبطالها.
الأطفال والنظافة
وتقول بيتي إن أكثر ما أعجبها في المجتمع السوداني أمران: النظافة الشديدة وحب الأطفال.
وتضيف أن السودان يعد من أنظف بلدان أفريقيا، وأن استهلاك الصابون فيه نسبة إلى عدد السكان مرتفع لأن النظافة جزء من الممارسات الدينية.
كما لاحظت أن الأطفال لا يُضربون عادة، وأنهم يُحملون ويُعتنى بهم باستمرار، وأن الناس يجدون الوقت لإظهار المودة لهم.
وتشير أيضاً إلى أن الخدم كانوا ينزعجون إذا تحدثت الأسرة بلهجة قاسية مع الأطفال.
وتقول بيتي إن الغربيين كثيراً ما يتحدثون بحدة مع الأطفال، وأحياناً يؤكدون ذلك بالضرب، وهو ما كان يسبب حرجاً في منزلهم.
ولهذا تقول بيتي إنها وجدت أن العيش وسط هؤلاء الناس الذين يتسمون بالوقار والتهذيب، والتعامل مع أشخاص من جنسيات متعددة، لم يكن مجرد تجربة توسّع آفاق الإنسان، بل كان أيضاً تجربة مُرضية ومجزية للغاية.
السودان والولايات المتحدة
ويقول مونيهام إن السودانيين، رغم قلة ثروتهم المادية، يتمتعون باعتزاز قوي بالكرامة والاستقلال.
وأضاف أن السودان يبدو قريباً في نظره من الولايات المتحدة، وأنه من غير المعقول أن يتبنى الشيوعية، لأن السودانيين شعب مستقل بطبيعته ويفضل الاقتداء بالأمريكيين.
رحلة حول العالم
وبعد انتهاء فترة عمله في الخرطوم حصل مونيهام وعائلته على إجازة مدفوعة لمدة شهرين ونصف للقيام برحلة حول العالم.
وقد استغرقت رحلتهم 30 يوماً للوصول من السودان إلى فورست سيتي في الولايات المتحدة، وتوقفت الأسرة خلال رحلتها في:
القاهرة – القدس – بيروت – نيودلهي – هونغ كونغ – طوكيو – هونولولو – لوس أنجلوس – أتلانتا – آشفيل.
ومن المقرر أن يعودوا لاحقاً إلى أفريقيا عبر نيويورك بعد قضاء أسبوعين في زيورخ بسويسرا.
ما الذي يفتقدونه في الخرطوم؟
وعندما سُئل مونيهام عما تفتقده الأسرة في الخرطوم قال إنهم يفتقدون أصدقاءهم في الوطن.
بينما تفتقد زوجته التلفزيون، ويشتاق الأطفال إلى الآيس كريم والهوت دوغ والهامبرغر والميلك شيك — وهي أشياء يعتبرها الأطفال في الولايات المتحدة أموراً عادية.
أما هو وزوجته فقد وجدا وقتاً أكبر للقراءة، رغم أن الكتب نادرة في الخرطوم، ولذلك يخطط لشراء ما بين 200 و300 كتاب، بينها موسوعة لأطفالهما الثلاثة.
ويختتم مونيهام حديثه مبتسماً قائلاً إن تجربتهم في السودان لم تغيّرهم كثيراً، باستثناء كلمة واحدة أصبحت جزءاً من قاموسهم اليومي وتختصر بالنسبة لهم فلسفة كاملة للحياة:
«معليش».
(صحيفة ديلي كوريير الأمريكية)




